طائرة من دون طيَّار.. وحسابات إيرانية

ليست هذه المرّة الاولى، ولن تكون الاخيرة التي يتحدّث فيها السيّد حسن نصر الله الامين العام لـ"حزب الله" وهو تنظيم ايراني عناصره لبنانية، عن انجازات عسكرية وسياسية تستهدف التغطية على واقع مرّ. يتمثل هذا الواقع في ان "حزب الله" اقام دويلته داخل لبنان، وهي دويلة تعمل على تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية… او ما بقي منها لا اكثر.

قبل ايّام، تطرّق نصر الله الى اختراق طائرة من دون طيّار الاجواء الاسرائيلية. هل هي طائرة من دون طيّار ام بلد بكامله من دون طيّار؟

اوضح الامين العام لـ"حزب الله" ان الطائرة انطلقت من لبنان وهي من صنع ايراني وانها أُسقطت بعد تحليقها طويلا فوق فلسطين المحتلة واقترابها من موقع المفاعل النووي فوق صحراء النقب. حرص على تأكيد ان الطائرة صناعة ايرانية متجاهلا المشاكل التي تمرّ بها ايران. هل الحديث عن مثل هذا الانجاز مساهمة منه في تغطية الازمة العميقة التي يمرّ فيها النظام الايراني الراغب في لعب ادوار اكبر من حجمه على الصعيد الاقليمي؟

بغض النظر عمّا اذا كانت هذه الطائرة من دون طيّار نقلت صوراً ومعلومات عن منشآت اسرائيلية مهمّة ام لا، يظلّ ان ما سيرسخ في ذهن العالم انّ لبنان هو الجبهة الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل.

هل يتحمّل لبنان ذلك؟ هذا هو السؤال الكبير، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار تجربة حرب صيف العام 2006 وما خلفته من دمار على لبنان واللبنانيين. هناك قرى جنوبية، لا تزال الى الآن تعاني من نتائج تلك الحرب وذلك على الرغم من كل المساعدات العربية التي توفّرت للبنان في مرحلة ما بعد العدوان الاسرائيلي، وهو عدوان افتعله "حزب الله" لاسباب مرتبطة اساسا بحسابات ايرانية وسورية.

كان ملفتا بعد العدوان الذي ذهب ضحيته نحو الف وثلاثمئة لبناني فضلا عن تدمير عشرات القرى والجسور وجزء من البنية التحتية اللبنانية، ان يخرج الرئيس بشّار الاسد رافعا اشارة النصر وانّ يشبّه معظم القادة العرب بـ"أشباه الرجال" رافضا ان يأخذ في الاعتبار ان "حزب الله" كان يبحث عن طريقة، اي طريقة، للتوصل الى وقف للنار. وحصل ذلك بالفعل ولكن بعد صدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة الذي عزّز القوة الدولية ومنطقة عملياتها في جنوب لبنان وادخل اخيرا الجيش اللبناني الى المنطقة المحاذية لخط الهدنة مع اسرائيل…

ليس مهمّا ارسال طائرة من دون طيّار تحلّق فوق فلسطين المحتلة. المهمّ ما بعد ذلك، وهل هناك من يستطيع تحمّل مسؤولية عمل من هذا النوع يفترض ان يكون جزءا من استراتيجية دفاعية لبنانية او عربية. اليس مثل هذا العمل دعوة الى اسرائيل كي تعتبر ان لبنان صار محميّة ايرانية وانّه لا يمكن النظر اليه الاّ بصفة كونه "ساحة" وانّ شيئا لم يتغيّر منذ العام 1969 تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم. سمح ذلك الاتفاق الذي فرضه العرب على اللبنانيين بوجود عسكري فلسطيني في جنوب لبنان. بكلام اوضح، اضطر لبنان، من اجل تبرير العرب لتخاذلهم في حرب العام 1967 وهزيمتهم فيها، الى التضحية بلبنان وسيادته كي يقولوا ان هناك "مقاومة" لاسرائيل!

منذ العام 1969، لم يتغير شيء في جنوب لبنان باستثناء صدور القرار 1701 الذي سمح بعودة الجيش الى الجنوب. حتى العام 1982، كان المسلحون الفلسطينيون يسرحون ويمرحون في جنوب لبنان، وكان اهل المنطقة من الشيعة والمسيحيين وحتى اهل صيدا والقرى الحدودية من السنّة ضحية التجاوزات والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة. ليس معروفا الى اليوم كيف كان ممكنا تحرير فلسطين انطلاقا من جنوب لبنان؟ ليس معروفا الهدف من تحويل لبنان كلّه حقل اختبار لاسرائيل باستثناء وجود اتفاق عربي- اسرائيلي غير معلن على حصر النزاع العسكري بجنوب لبنان؟

بعد العام 1982 والاجتياح الاسرائيلي للوطن الصغير، قاوم اللبنانيون. استمرّت مقاومتهم "الوطنية" الى ان بدأت ايران تضع يدها شيئا فشيئا على الطائفة الشيعية وعلى المنطقة عبر "حزب الله". لا يزال الاتفاق العربي- الاسرائيلي غير المعلن ساريا مع فارق يتمثّل في ان ايران حلّت مكان الجانب العربي فيه.

ماذا اراد الامين العام لـ"حزب الله" قوله من خلال الاعلان عن انطلاق طائرة من دون طيار من الاراضي اللبنانية وتحليقها فوق مواقع اسرائيلية "حساسة"؟ قد يكون الجواب ان الحزب، الساعي الى استرضاء قواعده لاسباب شيعية بحتة مرتبطة بالخوف من المستقبل ومن انعكاسات تورطه في قمع الثورة السورية، اراد في الوقت ذاته تأكيد امر ما.

اراد تأكيد ان لبنان ورقة ايرانية وانّ خسارة ايران لسوريا لا تعني انها خسرت لبنان ايضا. ما يمكن فهمه من كلام نصر الله ايضا انّه اذا كان من صفقات ذات طابع اقليمي مع "الشيطان الاكبر" الاميركي و"الشيطان الاصغر" الاسرائيلي تتناول الدور الايراني في المنطقة، لن يكون في استطاعة احد تجاهل عمق الوجود الايراني في لبنان. بكلام اوضح، ان ايران تمتلك من خلال لبنان ورقة الحرب والسلام في المنطقة وان على كلّ من يريد التفاوض معها في شأن ملفها النووي او دورها الاقليمي اخذ ذلك في الاعتبار. اما اللبنانيون انفسهم من شيعة وغير شيعة فليسوا سوى تفاصيل في الحسابات الايرانية لـ"حزب الله"، تماما كما كانت حال اللبنانيين، بالنسبة الى معظم العرب، في ايام الوجود الفلسطيني المسلّح على الاراضي اللبنانية!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل