بعد جلسة التحقيق الأخيرة، وهي الخامسة مع الوزير السابق ميشال سماحة، توقَّع البعض أن يتمَّ الادعاء على مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان. لكنّ مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر اكتفى بالطلب إلى قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا «الاستماع إليها».
الواضح أن الطاقم القضائي اللبناني لم يَعُد يسير اليوم في ملف سماحة بالسرعة عينها. وفي عبارة أخرى، إن الجسم القضائي الذي واكب سريعاً خطوات الطاقم الأمني، خلال الصيف، وأنجز تحقيقاته في أيام قليلة، وادعى على المسؤول الأمني الأرفع في القيادة السورية اللواء علي مملوك، خفَّف من سرعته. فلا هو أصدر استنابة قضائية به. ولا أصدر قراراً بالادعاء على شعبان ولا استنابة قضائية بها.
ووفقاً لمصادر حقوقية، إن القرائن التي تسمح بالادعاء على المستشارة الرئاسية لا تبدو أقلّ وضوحاً من تلك التي استدعت الادعاء على مملوك. وهي مدعمّة بثلاثة تسجيلات صوتية لاتصالات بينها وبين سماحة، خلال نقل المتفجرات من سوريا وبَعده. وتالياً، وقياساً على السرعة التي تمَّ فيها الادعاء على مملوك و"العقيد عدنان"، تقول المصادر، إنه كان يمكن للقضاء أن يدّعي على شعبان بعد جلسة الاستجواب الأخيرة مع سماحة.
وفي المعلومات أنّ أحد الاتصالات المسجّلة تمَّ داخل الأراضي السورية، وفيه استخدم سماحة مراراً عبارة "سِتّنا"، ما يوحي بأن شعبان كانت على علم بالملف. ولكن لم يرشح ما إذا كان سماحة قد اعترف بذلك صراحةً في الجلسة الأخيرة من التحقيق.
إلّا أن القضاء يبدو متريِّثاً. وهذا التريُّث لم يفاجئ العديد من الأوساط. فهناك مَن كان يتوقّع ذلك. وتردّد أن جهات لبنانية في السلطة طلبت التريُّث وتبريد الملف، محذِّرة من أن انفجار "برميل البارود" سيترك تداعيات خطرة وغير محسوبة العواقب داخلياً ومع دمشق. وتعمل هذه الجهات على تسويق ذريعة مفادها أنه من الأفضل تهدئة ملف سماحة، بحيث تتزامن خطواتُه وتتلاءم مع تطورات الأزمة السورية، ولا تسبقها، وعندئذٍ تكون الظروف قد نضجت تدريجياً لأي خطوات قضائية.
في هذا المعنى، يريد البعض إبطاء ملف سماحة، بحيث يكون السير فيه موازياً لسائر ملفات الاغتيال ومحاولات الاغتيال المفتوحة، ومنها المُحالة إلى المحكمة الدولية، والتي تنتظر الدخول في محاكمات تبدأ في الربيع المقبل وتستغرق سنوات على الأرجح. فهذه الجهات تدرك أنه، عند صدور الأحكام في هذه الملفات، ستكون الجهات المتّهمة أو المُدانة في دمشق قد أصبحت في أمكنة أخرى.
الهروب بالتأجيل
هل يعني ذلك أن هناك تدخلات سياسية تدفع القضاء إلى التريُّث قصداً في متابعة ملف سماحة؟
يحرص الجسم القضائي على تأكيد استقلاليته وعدم وجود تدخلات سياسية في شؤونه. وتقول مصادره إنه يتصرف في مسألة شعبان وفقاً للاعتبارات التقنية فحسب. وهو طلب الاستماع إليها قبل الادعاء لأن متطلبات التحقيق تستلزم ذلك. وعندما تكتمل العناصر اللازمة، على غرار اكتمالها في ما يتعلق بالادعاء على سماحة ومملوك و"عدنان"، سيقوم باللازم. وليس في الأمر أي اعتبار سياسي.
لكن هناك في 14 آذار مَن يبدي خشيته من ضغوط سياسية تؤدي إلى تطيير الإنجاز الذي حقَّقه فرع المعلومات بكشفه، وللمرّة الأولى، ملفاً متكاملاً وموثَّقاً بالصوت والصورة والأسماء والتواريخ، يثبت دور مسؤولين سوريين على أرفع المستويات في أعمال أمنيّة في لبنان.
فحلقات السلسلة بدأت تنكشّف تباعاً، وفي شكل تصاعدي. وبعد الرّجل الأمني الأول في النظام حالياً، اللواء مملوك، تتَّجه الأصابع نحو المستشارة الرئاسية الأكثر نفوذاً في القصر، بثينة شعبان. وهناك مَن يتوقَّع مفاجآت أخرى أكثر أهمية وخطورة إذا استمرَّ التحقيق. فالمسار الذي يسلكه الملف أكثر وضوحاً ممّا يتصوَّره البعض. وفي التسجيلات التي ظهرت إلى العلن، يقول سماحة للشاهد ميلاد كفوري إن "الرئيس الأسد هو الذي يريد ذلك"!
من هنا، تخشى 14 آذار من ضغوط تؤدي إلى تباطؤ في ملف سماحة بهدف أساسي هو: منع الوصول إلى "الآتي الأعظم"… على الأقل حتى يقضي الله في سوريا "أمراً كان مفعولاً". وعندئذٍ، يصبح لكل حادث حديث.