الأمم المتحدة تطلب وضع إستراتيجية لمواجهة المخاطر بإدارة السرايا الحكومية: أربعة فوالق زلزالية في البر والبحر تهدد لبنان

كتبت زينب ياغي في صحيفة "السفير":

يتعرض لبنان لخطر الزلازل، بسبب مرور أربعة فوالق زلزالية في أراضيه. مع ذلك لا يتعامل المسؤولون مع الخطر بجدية، وإنما تتعامل معه الأمم المتحدة التي قررت أن يكون في لبنان «وحدة إدارة المخاطر من الكوارث»، بإدارة حكومية، ومساعدة من المنظمة الدولية، وربما فيما بعد مساعدة دول مانحة.

وقد توج برنامج الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث نشاطه في لبنان الذي بدأ منذ ثلاث سنوات بعقد المؤتمر الوطني في شأن التخفيف من مخاطر الكوارث في السرايا الحكومية على مدى يومين، بمشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة وخبراء في علوم الطبيعة، وجامعيون. وجرت خلاله مناقشة الإستراتيجيات العملية التي تعزز القدرة على مجابهة المخاطر. وتبين من خلال الدراسات التي عرضت أن لبنان يفتقد إلى نوعية العمران المقاوم للزلازل والمؤسسات الحيوية التي يفترض ألا تُدمر في حال حصول كارثة، مثل الوزارات والمراكز الصحية، ومراكز الجيش والدفاع المدني والصليب الأحمر. في المقابل، تتعرض المباني للخطر المستمر بسبب وجودها قرب معامل إنتاج الطاقة، واحتوائها على مواد كيميائية قابلة للاشتعال، وبالتالي سيكون للهزة أو الزلزال آثار مضاعفة.

بيروت مبنية على أراض رملية

من دون تخويف، أعلن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة روبرت واتكنز أن لبنان موجود على الحدود بين الصفائح القارية العربية والإفريقية، وهو معرض بشكل كبير للهزات الأرضية وتسونامي، بالإضافة إلى المشاكل الطبيعية المرتبطة بالمناخ، كحرائق الغابات والفيضانات، مضيفاً أن لبنان خسر بين العامين 1980 و2010 من الكوارث الطبيعية، مبالغ مالية ضخمة، تخطت الـ1.5 مليار دولار.

وأوضح مدير مركز الجيوفيزيا التابع لـ«المجلس الوطني للبحوث العلمية»، المعروف «بمرصد بحنس» الدكتور الكس سرسق، أن في لبنان ثلاثة فوالق كبرى، هي: روم، واليمونة، وسرغايا، وفالق رابع اكتشف في البحر. وقال إن جبل لبنان تكوّن بصورة لا مثيل لها على طول شاطئ المتوسط، فهناك أمر غير طبيعي حصل وكون سلسلة جبال لبنان في منطقة عربية هي تقريباً سهلية. أضاف أن مدينة بيروت تقوم على تربة خطرة لأنها رملية، باستثناء كتلتين صخريتين هما: رأس بيروت وتلة الأشرفية. ويعني ذلك أنه إذا كان المبنى على أرض تهتز، فسيحصل فيه تضخم زلزالي أكثر بثماني مرات مما لو كان على أرض صخرية.

وأعلن سرسق عشر محطات للهزات في لبنان موزّعة في جميع المناطق، من بينها الجنوب، البحر في منطقة جبيل، والبقاع. ويوجد خط نشط للهزات من ظهر البيدر حتى بيروت، سجل فيه خلال خمس سنوات ألف وخمسمئة هزة، بينما لم يسجل حصول هزات في الشمال، ولكن ذلك لا يعني عدم إمكان حصول زلزال فيه. ويتعرض الشاطئ اللبناني للهزات القريبة منه في قبرص ورودس وكريت، فقد حصلت هزة في آذار الماضي تبعد مسافة أربعين كيلومتراً من بيروت.

خطر المواد الإشعاعية

الخطر الأول الذي يزيد المضاعفات الزلزالية هو المواد الإشعاعية، وقد أوضح مدير «اللجنة الوطنية اللبنانية للطاقة الذرية» بلال نصولي أن المواد الإشعاعية تستخدم في المجالات الطبية والصناعية والزراعية في لبنان، ويوجد استخدام غير قانوني لها، لذا نتعرض لاحتمالات وصول المواد الإشعاعية في حال حصول هزة إلى جسم الإنسان من خلال التنشق، والمواد الغذائية.

لكن الصورة ليست قاتمة. فقد صادق لبنان على القوانين الدولية الخاصة بوكالة الطاقة الذرية، وتنص على شروط إعطاء التراخيص لاستخدام المواد الإشعاعية، والسماح بتفتيشها. كذلك، يوجد برنامج رصد بيئي وطني فاعل، وخطة وطنية للتربية والتوعية على المواد الإشعاعية تقوم اللجنة الوطنية بمتابعتها. وقال نصولي إن اللجنة أعطت ثمانمئة رخصة حتى اليوم، أي نحو اثنين وخمسين في المئة من مستخدمي المواد الإشعاعية. ووضعت إستراتيجية تتعلق بإدارة المواد الإشعاعية في نهاية دورة حياتها، وتشمل إعطاء الإذن المسبق بالاستيراد، وإعادة المواد إلى المصدر الذي استوردت منه، أو تخزينها في مناطق آمنة. وقد أعاد لبنان سبعة وأربعين مصدراً للإشعاعات بالتعاون مع الوكالة.

وطمأن بأن جميع الجهات في لبنان تتعاون لمكافحة الاتجار بالإشعاع النووي، لافتاً إلى وجود خمس وثلاثين بوابة لرصد دخول الإشعاعات، عبر المرافئ البحرية والبرية والمطار، وبالتعاون مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وبالنسبة على الإشعاعات البيئية، تبذل جهود منذ العام 2002 لمراقبة المواد الغذائية والتربة والهواء ومواد البناء، مشيراً إلى مشاركة اللجنة الوطنية في رصد اليورانيوم الذي تسبب به القصف الإسرائيلي للبنان في حرب تموز العام 2006.

افتقاد الوزارات تقنية الدراسات

الخطر الثاني يتمثل بالمقومات الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية، وقد أوضح المتخصص في إدارة الكوارث الدكتور فادي حمدان أن ثمانياً وعشرين في المئة من اللبنانيين يعيشون في حالة فقر، وثماني في المئة في حالة فقر مدقع. ويعيش سبع وثمانون في المئة من السكان في المدن، بينما يعتبر عشرون في المئة من المنازل أقدم من خمسين عاما، أقيمت في واحد وثمانين الف مبنى قديم.
وفي بيروت وحدها، رصدت منظمة الأمم المتحدة للإسكان، أربعاً وعشرين منطقة سكن عشوائي، تضم ثلاثمئة ألف نسمة. يُضاف إليها مساكن حي التنك في طرابلس، ومساكن غير مرخصة في صور تقترب من الآثارات، والمخيمات الفلسطينية، وجميعها مساكن غير مصممة هندسياً أصلاً، بينما يبقى مرسوم السلامة العامة من دون تطبيق.

وفي قطاع التعليم مثلاً، يتعلم التلامذة في مدارس مستأجرة غير صالحة لكي تكون مدرسة، وفي مدارس قديمة، ويرسل الأطفال إلى دور حضانات أقيمت في الطوابق العليا، بينما يجب أن تكون أرضية، مشيراً إلى أن «منظمة اليونيسيف» تقوم حالياً بمساعدة وزارة الصحة على تنظيم دور الحضانة.

وبسبب الحرائق، تراجعت الثروة الحرجية إلى أحد عشر في المئة من المساحة العامة، وهي تساهم في تلطيف التغير المناخي وتماسك التربة. ويملك الدفاع المدني خرائط للغابات، واستعداداً للمواجهة، ولكنه غير كاف، كذلك شراء الطائرات لمكافحة الحرائق، إذ يقول حمدان إنه لا يكفي توافر الطائرات، وإنما يجب وضع سياسة عامة تتيح الوصول إلى الغابات، ووضع قوانين يمنع بموجبها تغيير وجهة استعمال الأرض، لأن الهدف من الحرائق المتعمدة هو تحويل الأرض من زراعية إلى عقارات للبناء عليها.

من جهته، تحدث رئيس «المجلس الوطني للبحوث العلمية» الدكتور معين حمزة عن وجود فارق بين الدراسات التي تعدها المراكز العلمية وبين ما تقرره الوزارات، وقال إن وزارات الطاقة والمياه والنقل والبيئة والتربية تطلب دراسات من المركز لكنها تتولى تنفيذها، «وبصراحة نحن غير راضين عن قدرة الوزارات التقنية على استيعاب الدراسات وتنفيذها». أضاف أن حرب تموز أوجدت حسا لدى اللبنانيين لمواجهة الكوارث، وتنسق بعض الوزارات في ما بينها، لكن مباني المؤسسات المعنية بشكل مباشر لدى حصول الكارثة غير مطمئنة، مثل ثكنات الجيش، ومراكز الوزارات، والدفاع المدني، والصليب الأحمر والمستشفيات، وبعض الثكنات أشبه بالورق.

دول نجحت وأخفقت

في إطلالة على الجهود المبذولة في العالم، أعلن المتخصص في علم الزلازل الدكتور بدوي رهبان وهو فرنسي الجنسية أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تطورا في الكوارث الطبيعية. وحصلت كوارث خارج المعايير المعروفة، مثل زلزال اليابان الذي جعل اليابانيين يفكرون بجدية في مستقبل حياتهم. وقال إن العالم تعرف إلى مفهوم تسونامي للمرة الأولى بعد حصوله في المحيط الهندي في العام 2004، وأصبح التعريف يستخدم في السياسية وفي الرياضة وغيرها. لكن تسونامي حصل سابقاً، فقد محى بيروت مثلا في الماضي، والكوارث ليست جديدة، وإنما الجديد هو ازدياد التعرض لها، وازدياد خسائرها بفعل التطور العمراني، بينما يجب أن تساعدنا قوة العلم والتكنولوجيا على مواجهة الكوارث والاستفادة من دروس الماضي.

وتحدث عن الفتاة الكولومبية عميرة التي علقت لمدة ثلاثة أيام في وحول بركان انفجر في كولومبيا، وكان متوقعاً انفجاره، وأنذرت السلطات بضرورة إخلاء المكان، لكنها لم تحرك ساكناً. وقد بقيت عميرة تتحدث إلى الناس وتصورها الكاميرات من بعيد من دون التمكن من الاقتراب منها إلى أن توفيت. أضاف أن المخاطر تزداد ليس في البلدان الفقيرة فحسب وإنما الغنية أيضاً مثل اليابان. ولكن الزلزال يؤدي في بلد فقير إلى ألف قتيل مثلاً، بينما ينخفض العدد في بلد غني إلى عشرة قتلى بسبب الاستعدادت للمواجهة.

وأوضح رهبان أن البيت البيض تبلغ بإعصار كاترينا عشية وصوله، لكنه لم يتمكن من استخدام المعلومة للتخفيف خسائر الإعصار، وفي نيسان العام 2010 شلت حركة الملاحة الجوية في أوروبا بسبب بركان ايسلاند، واكتشفت تلك الدول فيما بعد أنها كانت قادرة على استخدام المعارف بشكل حكيم. لكن اليابان تمكن في المقابل من النهوض من الكارثة خلال سنتين ونصف السنة، وقد أنشأت مدينة صغيرة تحت الأرض تسمح بتخزين مياه طوكيو، في حال حصول فيضانات، وفي جبال الألب الفرنسية يتم ضخ مياه مخزنة، فيما تمكنت بنغلادش من خفض خسائر الفيضانات، ولبنان مهدد بأمنه ووجوده بهزة كبرى، يجب الاستعداد لها.

تابع رهبان أن عالم الهزات الأميركي فرانك برس هو من أطلق فكرة تنظيم عقد دولي للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، ونجح في العام 1987 في إقناع الأمين العام الأمم المتحدة حينها بيريز دي كويلار باعتماد قرار من الأمم المتحدة لإطلاق عقد دولي للحد من المخاطر، وتطورت البحوث وصولاً إلى اعتماد إطار هيوغو، وربما بعد مئة عام يتمكن الإنسان من التعايش مع الكوارث بسبب ارتفاع الاستعدادت لمواجهتها، والحؤول دون أن تؤدي إلى ملايين الضحايا.

ثلاثة عشر قطاعا حيويا تخضع للتقييم

انتهى المؤتمر إلى توضيح الإستراتيجية التي يجب إعدادها لمواجهة الكوارث، وتعمل وحدة إدارة المخاطر في السرايا الحكومية على وضعها بإدارة فادي حمدان. وقد أوضح لـ«لسفير» أن الإستراتيجية تقوم على محاور عدة هي تحليل خسائر الكوارث الطبيعة التي تحصل في لبنان، ومصدر المعلومات فيها الجيش اللبناني، وتقويم قدرة البنى التحتية الأساسية على مجابهة المخاطر، وتشمل ثلاثة عشر قطاعاً حيوياً يتناول الصحة، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والطاقة والمياه، والاتصالات، والسياحة والآثار، والمصارف، والبنية السكنية، والدفاع المدني، والصليب الأحمر، والمباني الحكومية. في كل قطاع توجد متطلبات أساسية لتأمين القدرة على المواجهة، وتتعلق بالمنشآت والنظام المتكامل فيها، فالمهم ألا تتوقف الاتصالات مثلا، وألا تدمر المستشفيات.

إلى ذلك، تقييم الأخطار الطبيعية بمعنى وتيرة حصولها وشدة حصولها، وذلك يتعلق بـ«المركز الوطني للبحوث العليمة»، وتحديد قابلية الضرر الاجتماعي والاقتصادي والسكني. ويفترض الانتهاء من الإستراتيجية الوطنية أواخر العام الجاري، والخطوة الرئيسية المطلوبة فيها هي دمج مقومات الحد من المخاطر، بسياسات التنمية والاستثمار.

المصدر:
السفير

خبر عاجل