#adsense

سوريا تأكل “الأخضر” الإبراهيمي و”اليابس” اللبناني

حجم الخط

قبل أن تبتلع الأزمة السورية جهود الموفد العربي والدولي العتيق الأخضر الإبراهيمي، تأبّط الأخير ملفات المشهد السوري ليحذّر من انفلاشها على الواقع اللبناني. ولم يكن الإبراهيمي، وهو الديبلوماسي الجزائري العتيق، بحاجة الى الضوء الأخضر ليقوم بما يتوجّب عليه من مهمات حيال لبنان علّه ينجح هذه المرة في انتشال البلد الصغير من أتون النار السورية تعويضاً عن فشله في أواخر الثمانينيات في إنقاذ لبنان.

بعد يوم واحد على اقتراح الإبراهيمي "نشر قوة حفظ سلام في سوريا"، دقّ ناقوس الخطر الإقليميّ والدوليّ من لبنان محذّراً من أنّ "الأزمة السوريّة قد تأكل الأخضر واليابس ما لم يتم احتواؤها"، مشدّداً على ان الدول المجاورة لسوريا "لا بد ان تدرك ان هذه الأزمة لا يمكن ان تبقى داخل الحدود السورية الى الابد، فإما ان تعالج أو أنها ستسوء وتأكل الأخضر واليابس".

صحيح أن التصريحين متتاليان، إلا أن الإبراهيمي لم يأت الى لبنان لطلب نشر قوات ردع لبنانية في سوريا، وهو العالم بتفاصيل التركيبة اللبنانية الحكومية التي لا تغار على مصلحة المواطنين اللبنانيين وتظهر للمجتمع الدولي كأنها قاصر أو في عمر المراهقة لا تفقه الحكم على مخاطر الأحداث ولا تعرف كيفية تصنيف الوقائع بين ما هو مفيد وما هو مضرّ.

لهذا أتى الرجل الأخضر حاملاً رسائل متعددة على قاعدة "أحكي الكنّة لتسمع الجارة" الى حكومة تتخذ من الضوء الأحمر شعاراً لها، تقف جامدة أمام كل التجاوزات من الداخل السوري، على اختطاف جيش النظام مواطنين لبنانيين ورجال أمن، تسكت عن خرق الدستور وتدمير منازل واقتحام الجرافات وتدبير الفتن وإرهاب شبكة سماحة مملوك – شعبان.. حكومة "بأمها وأبيها" كانت تنتظر تحذير الأخضر الإبراهيمي ليسمعها أو "يلقّنها" ما يجب أن تقوم به. فقد عرف الأخضر بأن اليابس هو من يدير "الأذن الطرشاء"..

باختصار، الأخضر الإبراهيمي قلق علينا حيث لم تقلق الحكومة.. وبالطبع لن تصحو من سباتها مهما بذل الرجل الملتزم بالعروبة المنفتحة من جهود. لا شكّ في أن الإبراهيمي لمس في سوريا ما كان صرّح به قبيل بداية مهمّته هناك من أنها "شبه مستحيلة"، فجاء الى لبنان محذّراً الحكومة والمسؤولين من مخاطر انفلات الحدود وضرورة ضبطها ووضع حدّ لتدخل "حزب الله" في الداخل السوري وبالتالي مراقبة علاقة الأحزاب اللبنانية في سوريا على غرار ما نتج عن علاقة ميشال سماحة برأس النظام السوري بشار الأسد.. طبعاً الإبراهيمي لم يقل كل هذا الكلام لكنّه عناه وقصده.

لن يحترق الأخضر في نار سوريا الملتهبة لأنه يقوم بما يمليه عليه ضميره الوطني والعربي وبما يشعر به من حبّ تجاه الشعب السوري، لكن الخوف من أن يحرق اليابس كل الأرض اللبنانية في الخريف من دون أن يتمتع الشعب اللبناني بربيع لبنان. الخوف بات مضاعفاً: الخوف من أن يفشل الأخضر الإبراهيمي في سوريا وأن تُهمل الحكومة اللبنانية رسالته الى اللبنانيين.

في تفاصيل أبعاد الزيارة، يرى رئيس "اللقاء المستقل" المحلل الصحافي نوفل ضوّ أنها "زيارة بروتوكولية واستطلاعية لأن الأخضر الإبراهيمي على اطلاع تام على الموقف السياسي الذي يحكم الواقع اللبناني بحيث أنه ليس غريباً عن الجوّ السائد ويعرف واقع تبعية هذه الحكومة للنظام السوري".. واصفاً الزيارة بأنها "واجب على الإبراهيمي لرفع العتب".

ويلفت ضوّ الى أن "الإبراهيمي قال ما عنده وترك للبنانيين أن يقرروا ما يفترض أن يصبّ في مصلحتهم"، مشددا على انه "لن ينتج عن هذه الزيارة أي تغيير سياسي في النهج الذي تعتمده الحكومة في الوقت الحاضر لأنها وبكل أسف لا تتأثر بمصالح الشعب اللبناني، إنما بالظروف التي أتت بها وتلك التي تُبقي عليها." ويتابع "انطلاقاً من هذا الواقع أعتبر أن زيارة الأخضر الإبراهيمي لن تغيّر في الواقع اللبناني ولن تغيّر في القرار الذي كانت اتخذته الحكومة".

ويضيف ضوّ "الإبراهيمي قام بما يتوجّب عليه على قاعدة "اللهم اشهد أني بلّغت" لكنه لا يمكن أن يقوم بأكثر من ذلك بعد لفت الإنتباه وقال ما لديه من معطيات، وعلينا كلبنانيين من الأساس أن لا ننتظره لينقل إلينا لزوم ما لا يلزم أو البديهيات التي من المفترض أن ندركها من دون الحاجة الى نصائح من أحد". ويبدي ضو أسفه حيال "الحكومة اللبنانية ومن يمسكون بالقرار السياسي في البلد وهم يحتاجون بالطبع الى مثل هذه النصائح، وهذا يعني أن المجتمع الدولي ينظر الى اللبنانيين وكأنهم لا يعرفون مصلحة بلادهم حتى أرسل لهم موفدا يخبرهم بذلك".

ويختم ضو "على الرغم من ذلك كله، وبعد تظهير الموقف الدولي وبعد كل التحذيرات، يصعب علينا كلبنانيين أن نحدد مصلحة بلادنا في ما يفترض أن نقوم به من سياسات".
من جهته، يرى عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري أن "كلام الإبراهيمي يأتي في إطار التحذير من مخاطر استمرار الأزمة في سوريا، والتي أسفرت حتى الآن عن عشرات الآلاف من الضحايا والمصابين في سوريا ومئات آلاف النازحين والمهجرين، هذه الأزمة إذا ما استمرت فستكون لها شظايا في كل المنطقة، بالحدّ الأدنى هناك شظايا في الأبعاد الإنسانية التي تتحمّلها الدول المحيطة ولبنان منها".

ويتابع حوري قراءته لكلام الإبراهيمي قائلا "في ما خصّ لبنان، إن اقتراحنا في قوى 14 آذار في هذا الإطار يلخّص بما يلي "إذا كان الجيش اللبناني بحاجة الى تغطية الحدود الطويلة بين لبنان وسوريا ممكن الإستفادة من القرار 1701 في فقرته 14 لجهة نشر قوات اليونيفل على هذه الحدود ومنع التشظيات مما يحدث في سوريا".

ويضيف "ليس سراً أن هناك تحرشات واعتداءات من جيش النظام السوري باتجاه الأراضي اللبنانية سواء في الشمال أو في البقاع، ربما في هذا الإطار أيضاً يأتي كلام الأخضر الإبراهيمي بالتنبيه خصوصاً إذا عطفنا كل هذا الكلام على ما اكتشف من شبكة سماحة-مملوك وعلى ما اكتشف من محاولات تخريبية أخرى يقوم بها النظام السوري". ويختم حوري "كل هذه العناوين إذا ما جمعناها نستطيع أن نتفهّم كلام الأخضر الإبراهيمي".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل