احتار المحللون والمراقبون وأصحاب الشأن في تقدير أهداف وأبعاد إرسال «حزب الله» وإيران طائرة الاستطلاع «أيوب»، في فضاء فلسطين المحتلة في 6 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وكثرت التحليلات وردود الفعل عليه والسجال الداخلي اللبناني حوله كذلك ردود الفعل الدولية التي حذّرت من تداعياته وصولاً الى اتهام الحزب وإيران باستدراج لبنان الى حرب.
والأرجح أن فرضية تسبُّب الطائرة بحرب مستبعدة لأسباب كثيرة، لا تقف عند الحجة القائلة إن إسرائيل لن تشن هذه الحرب وهي تتهيأ للانتخابات التشريعية المبكرة في كانون الثاني (ينايير) المقبل. ومثلما تفيد التقديرات بأنها لا تريد الحرب، فإن «حزب الله» لا يريدها أيضاً. وفريقا هذه الحرب المفترضة سبق أن تبادلا الرسائل غير المباشرة في هذا الصدد وكانت إحدى وسائطها الاجتماعات الثلاثية برعاية قيادة قوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في الجنوب اللبناني في مقر قيادتها بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إذ سبق للجيش الإسرائيلي قبل زهاء 3 أشهر أن أبلغ الجيش اللبناني أنه لن يكون البادئ بالحرب، فيما أبلغ الجيش اللبناني الجانب الإسرائيلي، نقلاً عن قيادة «حزب الله»، انه لن يكون البادئ بالحرب. بل ان قادة الحزب أنفسهم يرددون في مجالسهم القول «إننا نتسلّح والإسرائيليون يعرفون ذلك وهم يتسلحون ويتدربون ونحن نعرف ذلك. ونحن لا نريد حرباً الآن وهم يعرفون ذلك وهم لا يريدون حرباً ونحن نعرف ذلك».
ولعلّ هذه المعادلة البسيطة هي التي جعلت من الجنوب اللبناني منطقة آمنة جداً وهادئة، أكثر من غيرها من المناطق اللبنانية الأخرى التي إما تعيش فِتناً أو قلقاً من حصول فتن فيها، جراء الانقسام اللبناني الحاد لا سيما حول الأزمة السورية.
ومن الواضح أنه أريد لهذا الإنجاز الذي حققته إيران والحزب باختراق وسائل المراقبة الإسرائيلية الجوية وتصوير الطائرة أهدافاً عسكرية أن تكون له أبعاد «فضائية» إعلامية تتجاوز طابعه العسكري. ولو كان الأمر يقتصر على هذا الجانب لكان تُرك الغموض يحيط به، مثلما يفعل الحزب عادة في تقصد الغموض حول أي خطوة ذات طابع عسكري يقدم عليها. لكن إعلان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله تبنيه للخطوة وبث الأفلام من قبل قناة «المنار»، عن مسار الطائرة على مدى أكثر من أسبوع ثم مجاهرة طهران بالإنجاز، دفعت للاعتقاد بأن للإنجاز بعداً إعلامياً ذا وظائف متعددة تتصل بالتأزم الإيراني – الغربي، وبالأزمة السورية وتداعياتها اللبنانية.
للإنجازات «الفضائية» هذه الأيام وقعها الإعلامي والنفسي بعد الهبوط الأميركي على المريخ وخرق المغامر النمسوي فيليكس باومغارتنر جدار الصوت بقفزته من ارتفاع 39 كيلومتراً… ومع فارق التشبيه فإن إعلان وكالة «إرنا» الإيرانية أن سورية ستطلق خلال أسابيع قمراً اصطناعياً في الفضاء يدعو إلى التساؤل عن مغزى توقيت هذا الإعلان، في وقت فقد النظام السوري الحليف في دمشق السيطرة على أكثر من نصف الأراضي السورية، ومع اعلان الاتحاد الأوروبي ان شركة «يوتلسات» أوقفت بث 19 قناة فضائية إيرانية في إطار تشديد العقوبات على طهران.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، وإذا صح هذا الخبر، ومع التذكير بأن الرئيس السوري بشار الأسد كان قال قبل أشهر أنه يربح على الأرض (قاصداً خطواته العسكرية في مواجهة معارضيه) وإن خصومه يربحون في الفضاء (قاصداً المحطات الفضائية التي يتهمها بالتزوير) وقريباً سنربح في الفضاء أيضاً… فإن عجزه عن السيطرة على الأرض يطرح السؤال عما إذا كان داعموه من جبهة الممانعة قرروا التعويض الإعلامي له في الفضاء، بموازاة سيطرة طائراته الحربية على الأجواء وتدميرها المدن والقرى وقصفها الناس بلا رحمة.
سواء تقصّد «حزب الله» والجانب الإيراني ذلك أم لم يتقصدوه، فإن إحدى نتائج إرسال طائرة «أيوب»، هي أن السجال الداخلي أظهر الانقسام حول هذا الإنجاز، الذي كانت المراجع اللبنانية الرسمية فضلت لو بقي من دون إعلان تبنيه. إلا أن من نتائجه الأخرى أنه نقل السجال حول أنباء تورط «حزب الله» على الأرض في القتال الى جانب النظام السوري في الداخل السوري، الى سجال حول الإنجاز التقني الذي أبهر جمهوره القلق من الانغماس في القتال في سورية ومن موت المقاتلين في غير الميدان الذي أُعدوا له.
هل يصلح المثل القائل بتغطية السماوات بالقبوات؟