كتبت راجانا حمية في صحيفة "الأخبار":
عندما فكّر جوزف عيد وزوجته ماري شراء قطعة الأرض في منطقة الأرز، قبل عشرات السنين، لم يعرفا بأن "الحكيم" سيكون جارهما بعد خروجه من السجن، ما سيحول دون وصولهما إلى الأرض. حالهما كحال جيران المربعات الأمنية في عام 1971، عاد جوزف عيد من غربته في "الأطلنطي". يومها، كان ينوي "التقاعد" وشراء بيت في لبنان والتأسيس لما بقي من العمر. غير أن الحلم لم يستمرّ طويلاً، فقد عاد الرجل عن قراره، واكتفى بشراء بيت وأرض في منطقة الأرز، غادر بعدها بحقائب أكبر. في عام 2000، مات عيد. لم تستطع العائلة البقاء طويلاً في "منفاها". بعد سبع سنواتٍ، عادت الزوجة ماري يوسف فخري وأولادها إلى البيت الذي اشتراه الوالد في ساحل علما. لم يطل مكوثها طويلاً، حتى تذكرت فخري الأرض التي اشتراها زوجها في الأرز. وفي إحدى نهارات أيلول من العام نفسه، قررت وابنتها زيارة الأرض. لم يرد في بالها أن تكون قد تغيرت، فمنذ ثلاثين سنة كانت "بعل سليخ"، وبعد ثلاثين سنة "توقعت أن أجدها على هذه الحال".
كانت هذه "أقصى التوقعات، لا شيء آخر"، تقول فخري لـ"الأخبار" التي اتصلت بها شاكية أمرها بعد فشل كلّ محاولاتها للحصول على حقها.
لحظة وصول ماري إلى أرضها، استحالت توقعاتها أشياء أخرى. صار الفاصل بين المالكة وأرضها "عشرات البنادق". لم تفهم، في تلك اللحظة، سبب كل هذا "الحشد" عند مدخل الأرض، فبادرت "العسكر" الواقف عند الحاجز هناك بسؤال ساذج: "ماذا تفعلون هنا في أرضي؟"… وانتظرت. ربما كانت تظن أن العسكر سيرفع القبعة احتراماً، ويزيح الحاجز من الدرب ويدعها تمرّ إلى أرضها. لكن، هؤلاء "ليسوا كمعظم العسكر، فقد استهزأوا بسؤالي، حتى إن أحدهم قال لي: ما عاد إلك أرض، وأومأ بيده طالباً مني الرحيل". تتذكر فخري أنها لم ترحل، وبقيت عند الحاجز ما يقارب الساعة من الوقت "والبنادق مصوبة إليّ". بعد تلك الساعة، عرفت فخري أنها أمام "بيت سمير جعجع"، وقد تيقّنت من الأمر عندما رأت "الحائط ذا الحجارة النافرة" الذي زرع في أرضها لحماية الفيلا الضخمة والحراس الكثيرين. لكنها مع ذلك لم تنقطع عن زيارة أرضها، وكانت في كل مرة من المرات الخمس التي قصدت فيها الأرز، تواجه "المعاملة نفسها". في المرة الأخيرة، "ارتعبت" السيدة من العسكر، فانقطعت عن الزيارة خوفاً، ولا تزال حتى هذه اللحظة. علماً بأنه منذ ثلاث سنوات "هدمت البلدية هناك الحائط الذي بنته تتبيّض وجهها مع الحكيم عندما خرج من السجن، وإعادة ما أخذ من الأرض"، يقول أحد متابعي الملف الذين اتصلت بهم "الأخبار" مستوضحة.
مع ذلك، تصرّ فخري على أن الأرض "راحت". لم يستطع أحد إقناعها بأن الأرض عادت لها، حتى وصل البعض إلى محصلة مفادها أن "هذه الست مجنونة". لكنها ليست كذلك، رغم الإصرار، فهي تعرف أنه "حتى لو عادت الأرض، لن يتغير العسكر ولا حتى وظيفة الحاجز، بدنا نضل نتفتش على الطالعة والنازلة، ما دام جعجع مقيماً هناك"، تقول.
لكن، مهلاً، من يمكنه استثمار أرض أو بناء بيت "على حيط فيلا زعيم سياسي"، في الأرز أو في غيرها من المربعات الأمنية؟ ثمة "جنون" في الأمر، شبيه تماماً بحالة المرأة التي لا تستطيع التصديق أن أرضها عادت منذ ثلاث سنوات. وحتى لو صدّقت، بعد سنوات مقبلة ربما، لا يمكن أحداً التصديق أنه يستطيع التصرّف بملكه على هواه من دون الخضوع "لأمر تفتيش قد يتكرّر عشرات المرات في اليوم الواحد"، تقول.
ثمة من يقول أكثر، من يتحدثون عن العيش داخل مربع "في الصباح تخرج منه بتحقيق، وفي المساء تعود إليه لتغوص في التحقيقات نفسها"، يقول أحمد، أحد سكان المربعات الأمنية المنتشرة في طول البلاد وعرضها. تصريح بالدخول والخروج وتصريح آخر للزائرين "الذين يقلّون بطبيعة الحال، حتى نشعر في بعض الأحيان بأننا من حاشية الحرس القابع في القصر الكبير"، يتابع. ثمة ما هو أسوأ من ذلك، عندما تصبح لقمة العيش تحت رحمة المربع، "ويصبح تحصيلها مرهوناً بزبائن الصدفة والمغامرين بدخول منطقة مسيّجة بالإجراءات الأمنية"، يقول بائع قماش ترك المهنة بعدما "أفلس" في أحد المربعات الأمنية. هل هناك ما هو أسوأ من ذلك؟
لقراءة رد الوكيل القانوني لرئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" الدكتور سمير جعجع المحامي الدكتور سليمان لبوس ![]()