"الدوائر الكبرى وُجدت لإغراق الوجود المسيحي وقتله، لذا أنا اؤيّد الدائرة الفردية". هذا التصريح ليس لأحد أركان مسيحيي 14 آذار، وإنما للعماد ميشال عون نفسه، وقد اعطاه لصحيفة النهار في 12 تشرين الثاني 2004. "زعيم" مسيحيي لبنان والشرق، صار اليوم يُفضّل "لبنان دائرة إنتخابية واحدة مع النسبية"، هذا ما اعلنه خلال زيارته الأخيرة الى جزيّن نهار الأحد 22 ايلول 2012.
في معادلةٍ حسابية بسيطة: العماد عون يُفضّل لبنان دائرة إنتخابية واحدة اليوم، و"الدوائر الكبرى وُجدت لإغراق الوجود المسيحي وقتله"، كما قال هو نفسه قبلاً، إذاً، فالعماد عون يُفضّل اليوم إغراق الوجود المسيحي وقتله.
العماد عون يتقاطع اليوم في طرحه للبنان دائرة إنتخابية واحدة، مع حزب البعث السوري في بيانٍ اصدره بتاريخ 26 ايلول 2012. ولكن كيف لحزب بعثٍ إندثر في سوريا نفسها فتحررّت دوائرها من وحشيته، أن يسعى لإعادة الإمساك بلبنان دائرةً واحدة؟!
بتاريخ 30 ايلول 2012، وخلال زيارته الى قضاء جبيل، قال العماد عون: "الدوائر الصغرى فتفتة للبنان". وفي معادلةٍ حسابية بسيطة اُخرى:
"الدوائر الصغرى فتفتة للبنان" اليوم، والعماد عون ايّد قبلاً الدوائر الفردية، إذاً فالعماد عون كان يُؤيّد، في البدء، "فتفتة" لبنان…هذا طبعاً، قبل ان يعود اليوم، فُيفّضل "إغراق الوجود المسيحي وقتله"!
في ايار 2008 رفع التيار العوني شارة النصر البرتقالية، محاولاً إيهام الرأي العام المسيحي بأنه "ردّ الحق لأصحابو"، وذلك على اثر تبنّي قانون الستّين الإنتخابي.
في ايار 2008 كانت أعداد الناخبين المسيحيين، تستوجب، بحسب التيار العوني، السير بـ "قانون الستين". بعد اقل من سنةٍ، خسر التيار العوني الإنتخابات، فصار قانون الستين صناعةً سنية – درزية.
بين ايار 2008 وايار 2009 انقلبت الديموغرافيا في لبنان رأساً على عقب، في رأس التيار العوني طبعاً، فصارت اعداد الناخبين المسيحيين "المتدهورة" تفرض السير بقانونٍ آخر.
في ايار 2008 ردّ التيار العوني "الحق لأصحابو"، ولكن بمجرد خسارة التيار العوني في انتخابات ايار 2009، صار "المستقبل" و"الحزب التقدمي الإشتراكي" مُتهّمان، من قبل هذا "التيار"، بـ "ردّ الحق لأصحابو"!
في الـ 2008 كان تبنّي قانون الستين مفخرةً بالنسبة للعونيين، وفي ايار 2009 صار مجرّد التلفّظ بقانون الستين، مضبّطة إتهّامٍ بحّق الباقين! لو فاز التيار العوني في انتخابات الـ 2009، لتحوّل قانون الستين الى معيارٍ اولٍ وأخير، وحصري، لـ "ردّ الحق لأصحابو"، في كل زمانٍ ومكان، ولكان قانون اللقاء الأرثوذكسي، الذي يتلطّى خلفه عون اليوم، هو صناعة "سنية – درزية".
يدعّي التيار العوني ان قانون اللقاء الأرثوذكسي يحظى بدعم حلفائه الرئيسيين في "8 آذار"، لكن الرئيس نبيه برّي نفى، كما نقلت عنه جريدتي "النهار" و"السفير" بتاريخ 4 تشرين الأول 2012، أن يكون هو او "حزب الله" يؤيدان اعتماد هذا القانون!
"حزب الله" لا يمكن ان يكون مؤيداً لقانون اللقاء الأرثوذكسي، وإلاّ فقد ورقة ضغطٍ انتخابية اساسية يستخدمها لإبقاء التيار العوني تحت رحمة الإقتراع الشيعي في دوائر هامّة كجزّين، وبعبدا، والمتن، وجبيل وزحلة.
قانون اللقاء الأرثوذكسي يُحرّر التيار العوني من تبعيته للديموغرافية الشيعية، لكن "حزب الله" يُفضّل الغرق وهو يعانق التيار العوني، على الغرق منفرداً، لذلك، لسان حاله يقول: ألف مرّة قانون ستيّن، ولا مرّة "ارثوذكسي"!
"حزب الله"، بخلاف التيار العوني، هو حزبٌ عقائدي يمتلك الرؤية والهدف والتصميم، وهو لا يكتم نيتّه بتحويل لبنان الى دولةٍ إمامية تدور في فلك الجمهورية الأم، ايران. علاقة "حزب الله" بمسيحيي التيار العوني لا تعدو كونها علاقةً مرحلية تهدف الى إحتواء المسيحيين، تمهيداً لشرذمتهم، وإضعاف وجودهم السياسي، وليس تقويته.
قبل وصول الإمام الخميني الى الحكم في ايران قال: "في الجمهورية الإسلامية ستكون حقوق الأقليات الدينية مُحترمة" (مقابلة مع التلفزيون النّمساوي، باريس، 6 تشرين الثاني 1978)، ولكن بعد وصوله الى الحكم، صار لزاماً على الأقليّات الدينية والعرقية كلّها "إحترام الأحكام الإسلامية تحت طائلة السحق والإبادة" (لقاء للإمام الخميني مع قوات سلاح الجو الإيراني في اصفهان، 19 ايلول 1979).
مساكين التيار العوني الذين انتشوا بـ "ورقة التفاهم"، وهللّوا لها اليوم، سيكون كثيراً في الغد، اماّ "حزب الله" الذي "يضحك" على هؤلاء المساكين اليوم، فسوف يبكي عليهم اخيراً…
قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي يُعيد إنعاش الوضعية المسيحية، هو النقيض الجوهري لمشروع "حزب الله" الإستراتيجي. التيار العوني قد يحصد، اليوم، بموجب هذا القانون 40 الى 50% من المقاعد المسيحية، لكن اخصام التيار العوني في الشارع المسيحي سيحصدون بالتأكيد، 70 الى 80% من تلك المقاعد بعد "عُمرٍ قصير". "حزب الله" يعمل وفق منطق النفس الطويل، والعمر المديد، لذلك، فهو لن يوافق على قانونٍ "يقطع" له انفاسه، على المدى الطويل.
التيار العوني لا يهتّم لأي شيء، سوى ما هو كفيلٌ بإيصال عماده المتقاعد الى قصر بعبدا. لكن العماد عون يتصرّف كالنعامة متناسياً ان حلفاءه الأساسيين، قبل سواهم، لن يوافقوا على ذلك. إذا حصلت قوى "8 آذار" على الأكثرية النيابية، من دون منّةٍ من جنبلاط وميقاتي، فسوف تنفجر هذه القوى من الداخل. حتى الساعة هي ما زالت تتلطّى خلف جنبلاط وميقاتي ليعمد كل طرفٍ فيها الى إفشال الآخر.
إذا انتفى دور جنبلاط وميقاتي في تأمين الأكثرية، فسوف يجد كل طرفٍ من اطراف "8 آذار" نفسه مكشوفاً، بمواجهة الطرف الآخر. الذئاب لا تأمن جانب بعضها البعض، لذلك فهي تسير بالتوازي. قوى 8 آذار هي شلّة ذئاب في الأمن والسياسة، افترست الدولة والمؤسسات والسيادة والإقتصاد، وفي النهاية سوف يفترس ذئبها الأقوى، الذئب الضعيف فيها.
خمسين او ستين او ارثوذكسي او دائرة واحدة، او حتى 128 مقعداً…. لا يهّم، فالمّهم هو مقعد واحد، وكرسي واحد، يتربّع عليها شخصٌ واحد… حتى ولو لم يبقَ في لبنان، لبناني واحد… اعطوا العماد المتقاعد هذا الكرسي، وخذوا قانوناً إنتخابياً يُدهش العالم!!