كتب ايلي أبو جودة على موقع "العونيين" الإلكتروني:
كثيرة هي النقاط المشتركة بين جيش الدولة النظامي والميليشيا المسلّحة، فكلاهما يعتمد على الساعد العسكري عدداً وعتاداً، كلاهما يرتكز على إيمان بقضية أو عقيدة تسيّرعمل المنظمة وتوجّه أهدافها، بالإضافة إلى العديد من العناصر الجامعة التي تصعّب على المرء ملاحظة الفوارق الشاسعة بينهما. فالجيش النظامي على سبيل المثال يحتكم لاستراتيجية ضالعة في الدفاع كما في الهجوم، استراتيجية من شأنها إبعاد المحتل عن الأرض الأم دون الإنحدار إلى دهاليز الغزو والإنتقام، وذلك لأخذه بعين الإعتبار أرواح المدنيين المؤتمن عليها. بينما الميليشيا تتّسم بأسلوب بربري، يسطَّر باغتيالات وعمليات قنص وتصفية تهدف لإضعاف الخصم، وهذا طبعاً الهدف من كل حرب عسكرية أو نزاع وجودي، إلا أنها تصبغ فاعلها بلون "الوساخة"، ولعلّ هذا هو السبب الرئيسي الذي من أجله أُطلق على العماد عون يوماً لقب "الخصم الشريف".
إن ما تقدّم قد يساعد على شرح ما يلي… مع العلم أن ملوك علم النفس وأسياده قد يعجزون عن شرح أو تفسير ذاك التعطّش للدماء والنهم القتّال. الأسلوب الميليشيوي يطل بأبهى حلله عبر تجاوز حدود "الوساخة" المعهودة، ليتعدّاه إلى التطاول على أرواح عائلة الخصم من زوجته إلى فلذات كبده ومحبّيه. وكان الشهيد طوني فرنجية من أوائل زعماء دولة لبنان الحديث الّذين منوا بهذه الفاجعة، فقُتل مع عائلته العزيزة بأشنع وأبشع الطرق… إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
وتتابعت خرزات سبحة القتل والإغتيالات السياسية، إن كانت جماعية أو فردية، دينية او سياسية… "إذا زعجك شيلو" وبالإذن من الفنان الكبير غسان الرحباني. المونسنيور خريش لم تقيه جبّته أخطار شياطين هذا العالم، فاستودع الله روحه بعد أن غفر لقاتليه فعلتهم. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
بعدها، انتقل الموس إلى رقاب بعض الزملاء ورفقاء السلاح، فقضوا أيضاً ضحية مطامح سلطوية وأحلام نفوذ وتفرّد بالقرارات الحزبية. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
بعد هؤلاء الشبان، اجتاح شبح الموت نخبة من ضباط الجيش اللبناني الشريف، صُلِبوا على الجدران قبل أن تزهق رصاصة أرواحهم الغالية بدمٍ لم يكن بارد فقط، بل تلذّذ بطعم الإنتقام. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
نزعة القتل تلك لم تقف هناك، فما كان منها إلا ان "صفّت" رئيس حكومة لبنان، دولة الرئيس رشيد كرامة. بعد فاجعة كهذه، لا بد من محكمة دولية، إلا أن موضة "الحقيقة" وصرعة "الشهيد" لم تكن رائجة حينها، فغادرنا الرئيس كرامة، برأس مرفوع، بتضحية وطنية و"كرامة". إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
آخر الضحايا حينها، كان القائد النمر داني كميل شمعون، زوجته إينغريد وملاكيه طارق وجوليان. رجل الإرث الشمعوني العريق، إبن آخر العمالقة…
أربعة عيارات نارية في رأس النمر، عياران ناريان في الكتف اليسرى، أربعة عيارات في أعلى الوجه الخارجي من الكتف والذراع اليسريين، عيار ناري في أعلى البطن، ثلاثة عيارات في الخاصرة اليمنى وعيار أخير في الآلية اليسرى… إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
خمسة عيارات نارية أصابت المرحومة إنغريد في صدرها، يدها اليسرى وذراعها والمرفق الأيمن. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
عيار ناري اخترق زاوية العين اليسرى للملاك-الطفل طارق، عيار آخر في الخد الأيسر وعيار ثالث تحت أذنه اليسرى، كانوا كفيلين بسرقة برعم الحياة من قلب بريء. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
عيار ناري تحت عين الطفل-الملاك جوليان اليسرى، وآخر مشابه وراء الأذن اليمنى. إضافة إلى رصاصة ثالثة اخترقت سبابة اليد اليمنى ورابعة حطّمت مقدّمة ركبته اليمنى. وبهذا، تم القضاء على أحد أكبر الأخطار المحدقة بلبنان: طفل بريء، لا يعرف ما هي البندقية. إلا أن الفهيم، لم يكتفِ.
هذا كلّه، ناهيك عن الإخفاقات الدموية الحافلة، إلا أنه تم الإكتفاء بذكر بعضٍ منها، رحمةً لأذهان القراء واشمئزازاً من حقيقة من لم يكتفِ يوماً.
تحطّم ما تبقّى من كرامةٍ لمسيحيي لبنان بسعيٍ دؤوب للإتيان باتفاق الطائف، وأطيح بأمن المجتمع المسيحي عرض الحائط. وها هو الفهيم لا يكتفي، بل يصرُّ على سحق الوجود المسيحي ببندقية غريبة كما عهدناه… وفليحكم الإخوان.
إلا اننا اليوم، ورفضاً منا لاغتيال النمر مرّة ثانية، نكرّس جهودنا الإصلاحية والتغييرية لإعادة كلٍّ إلى حيث ينتمي، فالسجون رحبة الصدر وتتّسع للكثيرين…
"الراحة الأبدية أعطه يا رب، ونورك الأزلي فليضئ له" داني شمعون، رحمك الله.
لقراءة رد موقع "القوّات اللبنانيّة" ![]()