#adsense

ماذا بعد اغتيال الحسن؟

حجم الخط

لا يجب إضاعة الوقت في البحث والتفكير حول الطرف الذي يقف خلف اغتيال العميد وسام الحسن، لأنّه معروف ومكشوف من قِبل معظم اللبنانيين، وهذه العملية لا تخرج عن سياق محاولات الاغتيال والاغتيالات السابقة. فهذا الطرف لا يتقن إلّا أسلوب القتل والعنف والترهيب، ومتمرّس في هذا النوع من العمليات الإرهابية تحديداً منذ تأسيسه…

كما لا يجب إضاعة الوقت في البحث والتفكير حول طريقة الاغتيال، لأنّ الخرق الذي أدّى إلى اغتياله كبير جداً، ويرجّح أن يكون في قلب موكبه وإلّا يستحيل أن تنجح العملية، لأنّ كلّ من يعلم الاحتياطات التي يتّخذها في تنقلاته يدرك مدى صعوبة كشف السيارة التي تقلّه، فضلاً عن أنّ الطريق التي يسلكها من منزله إلى مكتبه مراقبة بالكاميرات.

كما لا يجب إضاعة الوقت في البحث والتفكير حول الخلفيّات الكامنة وراء اغتيال الحسن، فهي واضحة وضوح الشمس، وهدفها تدجين فرع المعلومات وشطب كلّ من يقف سدّاً منيعاً أمام إفشال مخطّط جعل لبنان ساحة تعويضية عن سوريا. فما يسمّى بمحور الممانعة لن يسمح بخسارة دمشق وبيروت في آن معاً، وبالتالي هو مستعدّ لتحويل لبنان إلى ساحة محروقة على غرار دمشق شرط إبقائه ساحة بيده وتحت إشرافه وبتصرّفه.

فقواعد اللعبة السياسية-الأمنية تبدّلت مع محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع، أي في اللحظة التي أيقن فيها محور الممانعة أنّ الأزمة السورية ومهما طالت آيلة إلى السقوط الحتميّ للنظام السوري، ومنذ هذه اللحظة بدأ بالتفكير جدّياً في قلب الطاولة في لبنان بشكل لا تعود له قيامة على غرار الحقبة الممتدّة منذ العام 1990 إلى العام 2005، والمسألة لا تتطلّب أكثر من تسويح مجموعة شخصيّات لا تتعدّى اليد الواحدة. فالرسالة وصلت: حتى لو قتل الأسد غداً التغيير في لبنان ممنوع، فهذا البلد سيبقى في أساس محور الممانعة.

وإذا كان لا يجب إضاعة الوقت في ما سلف، فلكونه ينتمي إلى الماضي. فوسام الحسن استشهد، وقد جاء اغتياله ليؤكّد مدى الانكشاف الأمني للبلد، والأهمّ أنّه لا يوجد أيّ شخص محميّ أو بعيد عن يد الغدر والإجرام. فالمظلة الأمنية التي كان يوفّرها لقوى 14 آذار باتت مثقوبة لا بل مشلّعة، ما يتطلّب قرارات مصيرية على مستوى الاغتيال وحجمه لإفشال محاولات ترويع اللبنانيّين والطبقة السياسية، وفي حال لم يكن ردّ الفعل على المستوى المطلوب فيعني أنّ على 14 آذار والبلد السلام.

وانطلاقاً ممّا تقدّم، إنّ مواجهة هذه الاستباحة الأمنية والتحدّي السافر تتطلّب الآتي:

أوّلاً، تحويل تاريخ اغتيال وسام الحسن في 19 تشرين الأوّل 2012 إلى لحظة مؤسّسة، ما قبلها غير ما بعدها، على غرار لحظة 14 شباط 2005 التي

أوصلت إلى انتفاضة الاستقلال.

ثانياً، إنّ خسارة الحسن لا تعوّض، ولكن لا بدّ من تعويض سياسي يكون أقلّه بإسقاط الحكومة، وإذا لم يستقل نجيب ميقاتي من تلقاء نفسه مثلما استقال عمر كرامي فيجب إجباره على الاستقالة. وأمّا المزايدة بالإعلان عن يوم حداد وطني فغير قابلة للصرف.

ثالثاً، إطلاق دينامية سياسية شعبية داخلية تدفع المجتمع الدولي إلى ملاقاة الحركة الاعتراضية للمعارضة في استعادة لمشهد 14 آذار 2005، إذ لولا هذا المشهد المليوني لما كان تحرّك المجتمع الدولي للضغط على النظام السوري لسحب جيشه من لبنان. فالمطلب المُلحّ اليوم اعتبار لبنان مخطوفاً من قِبل إيران، وأن ينعقد مجلس الأمن في جلسة طارئة لوضع القرار 1701 تحت الفصل السابع ونشر القوّات الدولية على الحدود مع سوريا بغية إفشال محاولة نقل الأزمة السورية إلى لبنان.

رابعاً، إنّ حصر المسؤولية بالرئيس السوري معزوفة سخيفة ومملّة ونسخة مكرّرة عن التكتيك الذي اعتُمد منذ العام 2005، والنظرية القائلة بأنّ اتّهام الأسد يسرّع بتدخّل المجتمع الدولي في سوريا لإسقاط النظام بعد كسره للخطوط الحُمر بتحويل أزمته إلى أزمة إقليمية، فهي أيضا لا تستحقّ الردّ والتعليق.

خامساً، إنّ عودة سعد الحريري، وبخلاف كلّ الكلام القائل بأنّ اغتيال الحسن أكّد صوابية استمراره خارج البلد، باتت أكثر من مُلحّة. فالمواجهة الجدّية مع نظام القتل والإرهاب تستدعي عودته اليوم قبل الغد، وإلّا فسوف يسجّل عليه التاريخ تقاعسه وتخاذله في المواجهة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل