#adsense

زاهي بستاني

حجم الخط

لمثل هذه اللحظات عدتُ الى الكِتابة. ففي مثل هذه الايام من العام 2006 كان زاهي بستاني يموت. وفي الرابع والعشرين من أول تشرين، شعرتُ بالبرد. لِمَنْ أَحَبَّ زاهي، وزاهي أَحَبَّهُ، كان زاهي الدرع. يا ليته كان صديقاً ومات. فالصديقُ قد يُعَوَّضُ بصديق.

ولكن شاءَ القدَرُ أنْ يُجَرِّدنا من زاهي. وكما أن هناك عُزَّلاً من السلاح، مات زاهي وتركَ عُزَّلاً من زاهي بستاني. بحثتُ عميقاً عن صفة تَختَصره. زاهي بستاني الشهامة بذاتها. كان شهماً في كل شأن. وإن كان للقوات اللبنانية من نضارة في جوهر قضيتها، فلأنّ زاهي كان من صائغي نضارتها.

نعم نحن في الصفوف الخلفية، كان لنا في القوات اللبنانية نجوم وأبطال يشعلون "رومانسيات القضية". زاهي كان واحداً من شُبّان النُبل. لقد ضَمَّت القوات اللبنانية كوكبة من "النبلاء"، وقد بلغ بهم النُبل أن بَقوا خلف الأضواء، وبلغت بهم الشهامة أن سكتوا وصمتوا على كل مَنْ جَرَّحَ وقَدَحَ وذَمَّ وشوَّهَ في سمعتهم، ونالَ من صدق نِضالِهم.

للّحظات الحرجة كان زاهي بستاني. في داخل غمامة من غبار الشائعات والاكاذيب، جلس زاهي على عرش نظيف. قال بشير الجميل أدين برئاسة الجمهورية لثلاثة: الياس سركيس، ووالدي، ولزاهي قبل كل الرفاق. زاهي كان "بشير الجميل" فريق بشير. فريقٌ من شبّان وشيوخ مشدودين الى زاهي في أوقاتِ شِدَّتهم وفي كل وقت.

عرفتُ مسؤولين كثراً في القوات اللبنانية وخارجها، وكنتُ أعرفُ أين تتحرك في نفوسِهم المطالب والأهدافُ مهما خَفوها وغَلَّفوها. أقولُ بحق، والرجل أصبح في دنيا الحق، لم اكتشفْ موقفاً له او رأياً منه أراد بهما انتقاماً من أحد أو قطعاً لطريقٍ على أحد. أَتَتْهُ الحاجة إليه من تَلقاء نفسها، وأَتَتْهُ سهامُ التجريح بفعل فاعل. ما رَفَعَهُ في قلبي أو رَفَعَ قلبي إليه، أنه ما قابَلَ الافتراءَ عليه إلا بالضَحكات ويا ليتها كانت ساخرة.

ضِحْكَتُه كأنَّ فيها شيئاً من المحبة لمُطلِق الافتراء. كان يشرحُ لي أهداف "المفتري" والالتباسات التي وقع فيها، وكيف ربط بين الوقائع ربطاً منطقياً في الظاهر وهمياً في الواقع، وبعد أن ينتهي من فكفكة الحبكة يصدح بضحكة مجلجلة. أقوالهم، أفعالهم، لم تكن أكثر من شبكة كلمات متقاطعة يتسلى بها.

باح لي بكثير من أسرار الدولة يوم كان "في الدولة"، وبكثير من أسرار "القوات" بعدما أصبح في فريق بشير أو سمير. باح بما باح بعدما اتفقنا أنني كثير النسيان. وليست الأسرار أهم ما ترك لي زاهي، بل التَرَفُّع. أوصاني بالتَرَفُّع عن الانخراط في التجاذبات والمُماحكات وتبادل الاتهامات.

وقال: تَرَفّع حتى تستطيع أن تكون مفيداً اذا طلبوك لمهمة او منصب. ترفّع حتى تكون مُحَرّراً من الأوزار إذا أقدمتَ على أمر. حاملُ الأسرار كان أهمّ مِنْ أسرارِه، بدليل أن الأسرارَ ماتتْ، وبقيَ على قيد الذاكرة زاهي القدوة، وزاهي السيرة في سيرته الزاهية.

أن يكون زاهي قدوة لك، يعني أنك أصْدَرْتَ حُكماً قاسياً على نفسك. في البدء أنتَ لم تكن هو، وفي النهاية أنتَ لم تعدْ أنت. من هذا الالتباس الرائع، تستمد شغف بناء دورك في شؤون السياسة. في القوات اللبنانية رفاق كثر تحولوا اعداء، وحده زاهي بقي خارج الدائرة المقفلة. لم يكن على حياد. كان له موقف واضح وصريح مما يحصل في داخل القوات وفي خارجها.

ولكن هذا المُترفِّع جعل مخاصمته مكلفة فتغاضى عنها البعض او كتمها! كان يقول لي: "يجب أن تنجح تجربة سمير في القوات". لماذا؟ "لأنّ السلطة، وإن أصبح رئيساً للجمهورية، لن تُغيّره. كل المشاريع المسيحية او الاسلامية او العلمانية او الاشتراكية او الدولية ليست بأهم من مشروع القوات.

مشروع القوات، بقيمته الانسانية، مواز لمشاريع أخرى أو أفضل منها. فلنمضِ به الى الحد الاقصى. سمير مهما قام بحسابات شخصية لا يمكنه أن يذهب بعيداً جداً. ظروف وصوله حمّلته أثقالاً كبيرة "طَرطشته" بأمور كثيرة عند الناس وعند الطبقة الحاكمة، ولكن الأهم أنه لا يريد أن يساوم على جوهر القضية. هيك ومش مخلّص مع انه في السجن (هذا الكلام خريف العام 1994).

عون يمكنه ان يأخذ ناسه من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، مودياً بالدور المسيحي الى الهلاك والناس تُطبّل له. سمير محاصر بِشو ممكن يقول عنّو إبن عين الرمانة اذا مِشي مع السوريين. بالنسبة الى سمير ليس مهماً ان يكون لديه مئة حليف، بل مئة شاب وصبية. القوات تشبه نواة التفاحة. طعمها مر، ولكن لولا النواة لما نَبت التفاح أصلاً. مئة شاب وصبية في القوات تعادل مئة ألف يبنون مواقفهم على تصريح في جريدة. عذراً زاهي احياناً يخونني النسيان.

سألته، ولكن يقولون إنّ بشيراً عندما وصل الى الرئاسة تغيّر. سألني من هم "الذين يقولون"؟ ذَكَرتُ له اسماً، فضحك ضحكته المُجلجلة. يوم الدفن وقفتُ وزوجتي خارج كنيسة سيدة التلة في دير القمر. قرب شباك في آخر الكنيسة، وقفنا ننظر اليه. ما زلنا نشعر ببرد تلك الوقفة. يبدو أننا ما زلنا هناك.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل