الإثنين السّادس بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةُ منَ القدِّيسِ إِيرينَاوُس (+202) صداقةُ الله (ضد الهراطقة)
عندما يكونُ أَناسٌ في النُّور، فما هُم يُنيرونَ النُّورَ ويُعطونَهُ إِشعاعًا، بل يَستنيرُونَ بهِ ويُشعُّون. ذٰلكَ ما يحدُثُ في خدمَةِ الله. لا أَحدَ يَجلُبُ للهِ شيئًا، فإِنَّهُ لا حاجةَ بهِ إِلى خدمةِ البشر، إِنَّما الَّذينَ يتبعونَ اللهَ ويخدمونَهُ، فإِنَّهُ يُعدُّ لهُمُ الحياةَ والمِنعَةَ على الفَسَاد، والمجدَ الأَبديّ. يمنحُ نعمَهُ للَّذينَ يخدُمُونَهُ، لكونِهِم يخدُمُونَهُ، وللَّذينَ يتبعُونَهُ لكونِهِم يتبعُونَهُ. أَمَّا هو فلا يأَخُذُ منهُم أَيَّةَ مِنحَةٍ لأَنَّهُ كامِل، لا يحتاج.
إِذا كانَ اللهُ يطلبُ خدمةً منَ البَشر، فلكي يستطيعَ، وهو الصَّالحُ الرّ!حوم، أَن يمنحَ نعمَهُ أُولٰئكَ الَّذينَ يُثابرُونَ على خدمتِهِ. فاللهُ لا يحتاجُ إِلى شيء، أَمَّا الإِنسانُ فيحتاجُ إِلى مشاركةِ الله. مجدُ الإِنسانِ ينهضُ على دَأْبِهِ في خدمةِ الله. لذا كانَ الرَّبُّ يقولُ لتلاميذِهِ: "ما أَنتُمُ ٱخترتُموني، بل أَنا ٱخترتُكُم"، مشيرًا إِلى أَنَّهُم لا يُمجّدُونَهُ بٱتِّباعِهِم لهُ، بل لأَنَّهُم تبعُوهُ قد مجَّدَهُم. وقال: أُريدُ أَن يكونَ هٰؤلاءِ حيث أَكونُ أَنا، ليُشاهِدُوا مَجدِي!
الرّسالة: 1 قور 6: 1-11
1 إذا كان لأحدكم دعوى على أحد الإخوة، فهل يجرؤ أن يحاكمه عند الوثنيّين الظّالمين، لا عند الإخوة القدّيسين؟
2 أوما تعلمون أنّ القدّيسين سيدينون العالم؟ وإذا كنتم ستدينون العالم، أتكونون غير أهل أن تحكموا في أصغر الأمور؟
3 أما تعلمون أنّنا سندين الملائكة؟ فكم بالأحرى أن نحكم في أمور هٰذه الحياة!
4 إذا، إن كان عندكم دعاوى في أمور هٰذه الحياة، فهل تقيمون للحكم فيها أولٰئك الّذين ترذلهم الكنيسة؟
5 أقول هٰذا لإخجالكم! أهكذا ليس فيكم حكيم واحد يقدر أن يحكم بين أخ وأخيه؟
6 بل يحاكم الأخ أخاه، ويفعل ذٰلك لدى غير المؤمنين!
7 وفي كلّ حال، إنّه عيب عليكم أن يكون بينكم دعاوى! أليس أحرى بكم أن تحتملوا الظّلم؟ وأحرى بكم أن تتقبّلوا السّلب؟
8 ولٰكنّكم أنتم تظلمون وتسلبون، وتفعلون ذٰلك بمن هم إخوة!
9 أوما تعلمون أنّ الظّالمين لن يرثوا ملكوت الله؟ فلا تضلّوا! فلا الفجّار، ولا عابدو الأوثان، ولا الزّناة، ولا المفسدون، ولا مضاجعو الذّكور،
10 ولا السّارقون، ولا الطّمّاعون، ولا السّكّيرون، ولا الشّتّامون، ولا الخاطفون، يرثون ملكوت الله!
11 ولقد كان بعضكم كذٰلك! لٰكنّكم ﭐغتسلتم، لٰكنّكم قدّستم، لٰكنّكم برّرتم باسم الرّبّ يسوع المسيح، وبروح إلٰهنا.
شرح آيات الرّسالة:
1-11 يأخذ بولس على مؤمني قورنتس عَجْزَهم عن البتّ فيمَا بينهم إثر ﭐختلافاتهم الخاصّة، ولجوءَهم إلى المحاكم الوثنيّة. يستعمل بولس في كلامه نوعًا من تهكُّم، فلا يُتيح لنا أن نستخلص منه مبدأ عامًا يصلح أن يكون أساسًا لنظرة بولس إلى تلك المحاكم، لأنّ بولس يُقرّ في موضع آخر شرعيّة سلطتها (روم 13/1-7).
1 الظّالمين: في الأصل الحرفيّ اليونانيّ "غير الأبرار"، وهم الحكام الوثنيّون، لا يكونهم ظالمين فعلًا بأحكامهم، بل بكونهم لا يعرفون برّ الإنجيل.
القدّيسين: هم المُعَمَّدون، وعليهم أن يكونوا أبرارًا، بموجب حالتهم وإيمانهم بيسوع المسيح (روم 1/7؛ 15/25).
2-3 المسيح وحده سيّد الكون وديّان العالمين. والكنيسة تشترك في سلطان رأسها الملكيّ والقضائيّ (متّى 19/28؛ 2 بط 2/4؛ يهو 5/6).
2 رسل 9/13؛ دا 7/22، 26؛ متّى 19/28؛ رؤ 3/21؛ 20/4؛ حك 3/8.
3 يهو 5-6.
الملائكة: أي الملائكة السّاقطون الأشرار.
4 تقيمون للحكم: ترجمة آخرى "الحقيرين" أي أناسًا عاديّين لا شأن لهم كبير في الجماعة، لٰكنّهم كُفُؤ لأن يحكموا لأهل قورنتس، في الدّعاوى البسيطة المتعلّقة بأمور الحياة، ولا يخلو كلام بولس من بعض سخرية! ويقرأ شُراح في صورة استفهام: "أفتأتون بالحقيرين فتُجلسونهم في الكنيسة للقضاء؟"، فيقصدون بالحقيرين "غير المؤمنين"، وتُفهم الآية على ضوء ما ورد في روم 13/1-7، حيث يأمر بولس المؤمنين بالإكرام والخضوع للسّلطات المدنيّة القائمة، أيًّا كانت.
5 حكيم يحكم بين أخ وأخيه: لا يخلو تعبير بولس من تهكُّم، ومؤمنو قورنتس مشهورون بتفتيشهم عن "الحكمة" (1/18-25).
7-8 إشارة واضحة إلى خطبة الجبل (متّى 5/39)، فكلمة المعلّم الالٰهيّ حاضرة أبدًا في تفكير بولس والجماعة المسيحيّة الأولى. يعالج بولس هنا مشاكل خاصّة في كنيسة قورنتس. إنّ تحمّل الإهانة والظّلم أحيانًا، بدافع المحبّة والغفران والسّلام، لمَسْلك مسيحيّ صادق. والحقّ والكرامة ينالهما المسيحيّ أيضًا ببذل الذّات والمسامحة وقداسة السّيرة، كما فعل معلّمنا الإلٰهيّ.
6 متّى 5/38-42؛ روم 12/17-19؛ 1 تس 5/15؛ 1 بط 3/9.
9-10 روم 1/29-31؛ 13/13؛ غل 5/19-21؛ أف 5/5؛ رؤ 22/15.
لائحة موسّعة بالرّذائل الّتي تمنع من دخول ملكوت الله، سبقها لائحتان مُختصرتان في 5/10 و 5/11. ونجد في رسائل بولس غالبًا مثل هٰذه اللّوائح (روم 1/29-32؛ غل 5/19-21؛ أف 5/3-5؛ 1 طيم 1/9-10؛ 2 طيم 3/2-4؛ طي 3/3).
11 أف 2/1-6؛ طي 3/3-7؛ يو 3/5؛ 1 يو 2/2-12.
ﭐغتسلتم: المعموديّة تغسل المؤمن من جميع الرّذائل وتقدّسه وتبرّره بفعل الثّالوث الأقدس: بٱسم "الرّبّ"، و "بروح" "إلٰهنا" (2 قور 13/13).
الإنجيل
متّى13: 1-9
مَثل الزّارع
1 في ذٰلِك اليَوم، خَرَجَ يسوع مِن البيت، فَجَلَسَ على شاطىءِ البُحَيرَة.
2 وﭐحْتَشَدَتْ لَدَيهِ جُموعٌ كَثيرَة، حتّى إنَّهُ صَعِدَ إلى السَّفينَةِ وجَلَس. وكانَ الجَمْعُ كُلُّهُ واقِفًا على الشّاطىء.
3 فكَلَّمَهُم بأمثالٍ عَن أُمورٍ كثيرةٍ قائلًا: "هوذا الزّارعُ خَرَجَ لِيَزْرَع.
4 وفيما هوَ يَزْرَع، وقَعَ بَعْضُ الحَبِّ على الطّريق، فجاءَتِ الطُّيور وأكَلَتْهُ.
5 ووقَعَ بَعْضُهُ الآخَرُ في أرضٍ صَخْرِيَّةٍ تُرابُها قَليل، فَنَبَتَ في الحالِ لأنَّ تُرابَهُ لَم يَكُن عميقًا.
6 وأشْرَقَتِ الشَّمسُ فٱحْتَرَق، وإذْ لَم يَكن لهُ أصْلٌ يَبِس.
7 وَوَقَعَ بَعْضُهُ الآخَر بَينَ الشَّوك، فَطَلَعَ الشَّوكُ وَخَنَقَهُ.
8 ووَقَعَ بَعْضُهُ الآخَر في الأرْضِ الجَيِّدَة، فأثْمَرَ بَعْضُهُ مِئة، وبَعْضُهُ سِتّين، وبَعْضُهُ ثَلاثين.
9 مَنْ لَهُ أُذنانِ فَلْيَسْمَع!".
شرح آيات الإنجيل:
1-2 لو 5/1-3.
في ذٰلك اليوم: عبارة إنتقاليّة لا تشير إلى يوم محدّد، ولا إلى تسلسل زمنيّ.
3 بأمثال: وردت هٰذه اللّفظة في العهد الجديد: مرّتين في (عب 9/9؛ 11/19)، وثماني وأربعين مرّة في الأناجيل الإزائية، حيث ﭐتّخذ يسوع المثل طريقة تعليم. المثل طريقة تعليم حيّة، تصويرية، تقرّب أسرار الملكوت من الأفهام، وهي واردة في الأدب الحكمي التَّورَوِيّ القديم، مستعملة في عصر يسوع. والمثل إلى ذٰلك طريقة غامضة تثير لدى السّامع التّفكير والسّؤال، والبحث عن التّطبيق العمليّ. يُكتفى في المثل بالفكرة العامّة، دون التّطرّق إلى كلّ التّفاصيل. في فصل متّى هٰذا سبعة أمثال ومغزاها واحد: ملكوت الله ملكوت روحيّ داخليّ، لا ملكوت خارجيّ زمنيّ، على ما كان يتوقعه اليهود.
الزّارع: في مثل الزّارع فكرتان: الزّارع واثق من غلّة أرضه، رغم كلّ الأخطار، وبشرى الملكوت منتصرة في النّهاية رغم كلّ العقبات. ويسوع يدعونا إلى أن نكون التّربة الطّيبّة الّتي تثمر فيها بشرى الملكوت.
7 يو 15/8، 16.
8 متّى 11/15.
أذنان: يزيد مرقس (4/9) ولوقا (8/8) "تَسمعان". ونقلت عنهما مخطوطات كثيرة لدى متّى: هنا وفي (11/15؛ 13/43).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.