الثّلاثاء السّادس بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منْ مارِ إِسحٰقَ السُّرياني (أَواخر القرن السَّابع) وحدَهُ الحبُّ خلاَّق!
لا تُحاولْ أَن تُميِّزَ في النَّاسِ بينَ مُستحقٍّ وغيرِ مُستحقّ! بل ساوِ بينهم، لكي تحبَّهُم وتخدُمَهُم، فتربحهُم للخيرِ جميعًا. أَمَا ٱشتركَ الرَّبُّ في مائدةِ العشَّارينَ والخطَأَة، وما نبذَ عنهُ غيرَ المستحقِّين؟ كذٰلكَ أَنتَ ٱصنعِ الإِحسانَ والإِكرامَ إِلى الكافرِ والقاتل، دُونَما تمييز: كلاهُما أَخٌ لكَ يشتَرِكُ في الطَّبعِ البشريِّ نفسِه.
إِليكَ، يا بُنيَّ، وصيَّتي: لتكُن في ميزانِكَ كفَّةُ الرَّحمةِ أَبدًا هي الرَّاجِحَة، حتَّى تَحُسَّ في نفسِكَ بتلكَ الرَّحمةِ عينِها الَّتي يَكُنُّها اللهُ للعالمِ في ذاتِه.
ومتَى يعرفُ الإِنسانُ أَنَّ قلبَهُ بلغَ النَّقاوَة؟ عندما يَحسَبُ النَّاس كُلَّهُم صالحين، ليس بينهُم أَحدٌ غيرَ نقيّ! إِذَّاكَ يكونُ قلبُ الإِنسانِ في الحقيقةِ نقيًّا.
وما نقاوَةُ القلب؟ بوجيزِ العبارَة، هي رحمةُ القَلبِ على الكونِ بأَسرِه. وما هي رحمةُ القَلب ؟ هي الشُّعلَةُ الَّتي تُلهبُهُ إِلى كلِّ الخلق، الإِنسانِ والحيوانِ والطَّيرِ والشَّيطان، كلِّ مخلوق. إِذا فكَّرَ الإِنسانُ فيها أَو نظر إِليها، أَحسَّ بعينيهِ تمتلئانِ دموعَ شفقةٍ عميقةٍ شديدة، تعصُرُ قلبَهُ فتجعلُهُ غيرَ قادرٍ على أَن يسمحَ أَو يسمعَ أَو ينظُرُ أَقلَّ أَذىً أَو أَيَّ عذابٍ في أَيِّ مخلوق! لذٰلكَ فٱلصَّلاةُ المقرونَةُ بٱلدُّموعِ تشملُ دائمًا، على حدٍ سواء، الخلائِقَ غيرَ النَّاطقة، وأَعداءَ الحقِ أَنفسَهُم، أَو منْ يقاومُهُ، ليُحفظوا ويُطَهَّروا. هي شفقةٌ بغيرِ قياسٍ تولدُ في قلبِ الإِنسان، فتجعلُهُ شبيهًا بٱلله!
الرّسالة: 1 قور 6: 12-20
12 هناك من يقول: "كلّ شيء مباح لي!". فأجيب: ولٰكن ليس كلّ شيء ينفع! "كلّ شيء مباح لي!". ولكنّي لن أدع شيئا يتسلّط عليّ!
13 ألطّعام للبطن، والبطن للطّعام، لٰكنّ الله سيبيد كليهما. أمّا الجسد فليس للزّنى، بل للرّبّ، والرّبّ للجسد!
14 فٱلله قد أقام الرّبّ، وسيقيمنا نحن أيضًا بقدرته.
15 أما تعلمون أنّ أجسادكم هي أعضاء للمسيح؟ فهل أنزع أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء لزانية؟ حاشا!
16 أوما تعلمون أنّ من يتّحد بزانية يصير وإيّاها جسدًا واحدًا؟ لأنّ الكتاب يقول: "يصيران كلاهما جسدًا واحدًا".
17 أمّا من يتّحد بٱلرّبّ فيصير وإيّاه روحًا واحدًا.
18 أهربوا من الزّنى! فكلّ خطيئة يرتكبها الإنسان هي خارجة عن جسده، أمّا الزّاني فيخطأ إلى جسده الخاصّ.
19 أوما تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للرّوح القدس السّاكن فيكم، وقد قبلتموه من الله؟ وأنّكم لستم لأنفسكم؟
20 لأنّكم قد ﭐشتريتم بثمن كريم! فمجّدوا الله في جسدكم!
شرح آيات الرّسالة:
12-20 هٰذا المقطع يشبه 1 تس 4/3-8، وهو دعوة إلى الكرامة الإنسانيّة، وإلى الحرّيّة المسيحيّة الحقّ: للحياة الجنسيّة، في المسيحيّ، علاقة وثيقة بالمسيح وبالثّالوث الأقدس: "أجسادكم أعضاء المسيح" (15)، "جسدكم هيكل للرّوح القدس" (19)، "مجّدوا الله في جسدكم" (20). يجعل بولس من الجسد عنصرًا جوهريًّا في تكوين الشّخصيّة الإنسانيّة الّتي سيقيمها الله، بعد الموت، إلى حياة خالدة، في صورة تفوق العقل والإدراك.
12 1 قور 10/23؛ 7/35؛ روم 6/12، 15؛ سي 37/28؛ تك 4/7.
كلّ شيء مباح لي: قد تكون كلمة لبولس، أساء فهمها وتطبيقها قومٌ من مؤمني قورنتس. ﭐضطرّ بولس أن يعود يشرحها. ما كلّ شيء بنافع: مبدأ خلقيّ عامّ، يحلّ محلّ مبدأ "المسموح والممنوع"، قائم على أن يعرف المؤمن ما ينفعه فيختار ويعمل ما يطالبق حياته الجديدة بكونِه عضوًا في جسد المسيح السّريّ، وهيكلًا مقدّسًا للرّوح القدس، ﭐبنًا لله الآب (روم 7/8).
13-14 يجيب بولس بوضوح على قوم يشبّهون الحاجة إلى العلاقات الجنسيّة بٱلحاجة إلى الأكل والشّرب: فٱلأكل والشّرب علاقة عابرة تربطنا بأشياء تتعلّق بحياة الأرض الفانية؛ أمّا العلاقة الجنسيّة فتربطنا بأشخاص، دُعينا نحن وهم إلى القيامة والحياة الجديدة الأبديّة. قيامة جسد المسيح أعطت أجسادنا قوّة القيامة والمجد معه. لذٰلك يجب أن توافق علاقتنا الجنسيّة دعوتنا هٰذه إلى قيامة أجسادنا، ومشاركتنا اللهَ في حياته الإلٰهيّة (أف 5/21-33).
13 قول 2/22؛ 1 تس 4/3-5؛ 1 قور 10/31.
14 روم 8/11؛ 1 قور 15/12-19؛ 2 قور 4/14.
15 روم 12/5؛ فل 1/20؛ روم 6/12-13؛ 1 قور 12/27.
أنزع أعضاء المسيح: يعني بولس أنّ العلاقة الجنسيّة في خارج إطار الزّواج تصرّف غير مشروع، لأنّه ﭐنتزاع للذّات من عضويّة المسيح، وﭐنتهاك لقدسيّة الذّات بغير المسيح. ويعني أيضًا أنّ العلاقة الجنسيّة في إطار الزّواج المقدّس تصل بٱلزّوجين إلى اتحاد الكامل بٱلمسيح (1 تس 4/4).
16 تك 2/24؛ متّى 19/5.
تطبيق النّصّ الكتابيّ (تك 2/24)، هنا، على الفجور غير المشروع! بينما يطبّقه الكتاب على فعل الزّواج المقدّس، لا يعني أنّ بولس ينظر إلى الزّواج نظرة تحقير (أف 5/25-33)، بل يُظهر أنّ بولس ينظر إلى الفجور كأنّه "كاريكاتور" للزّواج المقدّس.
17 يو 17/21-23؛ روم 8/9-11؛ غل 2/20.
روحًا واحدًا: على واقعيّة وصف بولس لعلاقة المؤمن بالمسيح (15)، وعلاقة المؤمن بالفاجرة (16)، يتحاشى هنا التّعبير الواقعيّ "جسدًا واحدًا"، كما يتوقّع القارئ في إطار الحديث، ويؤثِر التّعبير "روحًا واحدًا"، ليُظهر كم إنّ علاقة المؤمن بالمسيح علاقة حقيقيّة مميّزة سامية.
19 1 قور 3/16-17؛ روم 5/5؛ 1 تس 4/4-8؛ 2 قور 6/16.
20 1 قور 3/23؛ 7/23؛ روم 3/24؛ 6/15؛ 1 بط 1/18-19؛ فل 1/20.
الإنجيل
متّى13 :10-17
لِماذا الأمثال؟
10 ودنا مِنهُ التّلاميذُ فقالوا لَهُ: "لِماذا تُكَلِّمُهُم بٱلأمثال؟".
11 فأجابَ وقالَ لَهُم: "أنْتُم قد أُعْطِيَ لَكم أنْ تَعْرِفوا أسرارِ مَلَكوتِ السّماوات، أمّا أُولٰئِكَ فَلَم يُعْطى لَهُم.
12 فمَن لَهُ يُعْطى ويُزاد. ومَن ليسَ لَهُ يُؤخَذُ مِنهُ حَتّى ما هوَ لَهُ.
13 لِذٰلِكَ أُكَلِّمُهُم بٱلأمْثال، لأنَّهُم وإنْ كانوا ناظِرينَ فَهُم لا يَنْظُرون، وإنْ كانوا سامِعينَ فَهُم لا يَسْمَعونَ ولا يَفْهَمون.
14 وفيهِم تَتِمُّ نُبوءَة آشعيا القائِل: تَسْمَعونَ سَمَعًا ولا تَفْهَمون، وتَنْظُرونَ نَظَرًا ولا تَرَوْن.
15 قَد غَلُظَ قَلْبُ هٰذا الشَّعْب: ثقَّلوا آذانَهُم، وأغْمَضوا عُيونَهُم، لِئَلّا يَرَوا بِعُيونِهِم، ويَسْمَعوا بِآذانِهِم، ويَفْهَموا بِقُلوبِهِم، ويَتوبوا فأشْفِيَهُم.
16 أمّا أنْتُم فطوبى لِعُيونِكُم لأنَّها تَنْظُر، ولآذانِكُم لأنَّها تَسْمَع!
17 فٱلحَقَّ أقولُ لَكُم: أنبياءُ وأبرارٌ كَثيرونَ اشْتَهوا أنْ يَرَوا ما تَنْظُرونَ فَلَم يَرَوا، وأن يَسْمَعوا ما تَسْمَعونَ فَلَم يَسْمَعوا!
شرح آيات الإنجيل:
11 متّى 11/25؛ 1 قور 4/1؛ أف 3/4؛ 6/19؛ قول 2/2؛ 4/3.
أسرار ملكوت الله: عبارة مالوفة في الأدب الرُّؤيَويّ المعاصر ليسوع، وتعني تدابير الله الخفيّة في نهاية الزّمان. ولا ترد، في الأناجيل، إلّا هنا، وفي النصّ الموازي لدى (مر 4/11)، ولدى (لو 8/10)، حيث تعني ما خفي من ملكوت الله، الّذي بدأ يسوع يحقّقه، على ما يظهر من أمثال هٰذا الفصل السّبعة.
12 متّى 25/29؛ مر 4/25؛ لو 8/18؛ 19/26.
تُعاد هٰذه الآية لدى (متّى 25/29)، وترد لدى مرقس (4/25)، ولوقا (8/18؛ 19/26)، وإن في ظروف مختلفة. ومعنى الآية: من يقبل تعليم يسوع يزداد أنوارًا، ومن لا يقبل يخسر كلّ شيء. دخل تلاميذ يسوع ملكوت الله فأُوتوا فهم أسراره، وﭐزدادوا غنى، وأحجم الآخرون، ففقدوا خيرات العهد القديم الّذي جازه الزّمن.
13 يفهمون: الغاية الأولى من ضرب الأمثال التّعليم: توضيح أسرار الملكوت، ووضعها في متناول العامّة، دون الحاجة إلى شرح. ولٰكنّ شرح الأمثال، الوارد في الإنجيل، يدلّ على تبدّل عميق، وتحوّل جذريّ، في مفهوم الهدف التّقليديّ من ضرب الأمثال. ويرى مفسّرون أنّ ذٰلك يعكس تيّارًا رُؤيَويًّا في الكنيسة الأولى رأى في أمثال يسوع مُبهَمًا موجّهًا إلى عامة النّاس، ورأى في شرح الأمثال كلامًا واضحًا مباشرًا موجّهًا إلى التّلاميذ المقرّبين، إلى الخاصّة.
14-15 آش 6/9-10؛ يو 12/40؛ رسل 28/26-27.
معنى القول أنّ قبول يسوع أو رفضه يقرّران الدّخول إلى ملكوت الله أو الحرمان منه، فلا حياد بالنّسبة إلى يسوع
16-17 لو 10/23-24.
من الواضح أنّ التّلاميذ، بقبولهم يسوع، قد عرفوا "سرّ الملكوت". والقدّيس بولس يتكلّم مرارًا على حجب السّرّ، في العهد القديم، عن الأنبياء والصّدّيقين (روم 16/25؛ أف 3/4 – 5؛ قول 1/26؛ أنظر أيضًا 1 بط 1/11-12).
18 أف 3/5.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.