تفلسف منظومة القتل عندنا الانحطاط في أدائها وبيانها وممارستها بطريقة لا مثيل لوضوحها سوى ما اعتمده الصهاينة التأسيسيون وأحفادهم في إسرائيل اليوم.
المقارنة شكلية، ولا تعني إسفافاً ولا استعارة لذلك الانحطاط المركون في خانة تلك المنظومة. أي إن فعل التخوين كان وسيبقى جزءاً من أداء هؤلاء. ولا يشرّف أحداً استعارة أي شيء منه. لا في مصطلحاته، ولا في قلّة أخلاقه، ولا في انعدام السوية بين شعاره وممارساته.. الإسرائيليون أنفسهم نسخوا عن دولة الرايخ الألماني الثالث الكثير من ممارساتها وطقوسها الحربية والعسكرية والأمنية والإعلامية والاستئصالية. وعلى النسق ذاته "طبيعي" أن يغرف أهل منظومة الممانعة من الثقافة الأدائية الاسرائيلية معظم مثالبها!
وفي حساب هؤلاء أن انفعال بعض الفتية ووصولهم إلى أبواب السرايا الكبير يوازي ويفوق وربما يبرّر (!) مسلسل القتل الذي سُجّلت أحدث حلقاته في الأشرفية يوم الجمعة الماضي. ونزولاً من تلك القراءة (أو صعوداً) فإن جرائم الاغتيال اللاحقة بأهل 14 آذار وأي رمز دولتي مؤسساتي شرعي على المستويين العسكري والأمني (وربما القضائي من يعرف؟؟) ليست سوى ترجمة تلقائية وطبيعية لانخراط المغدورين في المواجهة المفتوحة، واصطفافهم في المحور المضاد لمحور الممانعة.. ولا بأس بعد ذلك من تسريب أو إعلان "الأسباب الموجبة" لحكم القصاص الذي صدر ونفّذ!
… المحاججة مستحيلة مع العبوة الناسفة. فهذه لا تحكي إنما تختصر كل الحكي. وأصحابها لا يضيعون وقتهم في الثرثرة على حوافي كتب الأخلاق وحقوق الإنسان والقوانين والدساتير وكل ما يمتّ بصلة قريبة أو بعيدة لحق الغير في التمايز والاختلاف.. والوجود. عدا عن حقّه في المواجهة من أجل حفظ حقّه وردّ الضيم والأذى عنه، حتى لو عنى ذلك، أن يعبّر عن الموقف السياسي بالتظاهر أو الاعتصام أو برفع لافتة وصورة وشعار!
عند جلاوزة اللغة الممانعين، يستوي رفع لافتة، مع رفع صاروخ. ونصب خيمة اعتصام سلمي، مع "نصب" سيارة مفخخة في وسط حي سكني لاصطياد خصم وصل عندهم إلى مرتبة العدو. وإطلاق شعار، مع إطلاق النار من كل عيار. والمجادلة بالسياسة، مع ارتكاب إثم التمايز وصولاً إلى الخيانة…
لا يعاني الأحرار اللبنانيون والسوريون من انعدام التوازن مع تلك المنظومة واستحالته فحسب، إنما أيضاً من حضور انحطاط لغوي تسويقي مخيف. يستعير من أصول النازية والفاشية البائدة والصهيونية القائمة، جلّ طقوسه وممارساته. وأخطر ما فيه، أنه يوظّف كل شيء بما فيه المقدّسات والمسلّمات والبديهيات الجامعة في خدمة الشيطان الذي فيه وفي مشروعه.. يتماهى مع ممارسات القتل والتفجير والتخوين والتفتيت المذهبي والفتنوي، ويضع كل ذلك في خانة الممانعة والمجاهدة وحفظ مصالح "الأمّة" ومقدساتها!