أفسح الانتهاء من مراسم تشييع اللواء الشهيد وسام الحسن ورفيقه المؤهل أول أحمد صهيوني أول من أمس، وبدء عملية لملمة جروح منطقة الأشرفية المنكوبة، المجال أمام القيادات العليا للعودة الى قراءة الحدث الكبير الذي هز لبنان والذي لن تنتهي تداعياته بسهولة، في ضوء التشنج الكبير الذي يشهده الشارع والانفلات الحاصل على الأرض فضلاً عن انعكاسات الحدث على الشعارات السياسية التي رفعتها المعارضة وفي مقدمها مطالبتها برحيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
ولعل أبرز ما توقف عنده بعض القيادات والأوساط السياسية أمس في هذه القراءة هو ما قاله وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو تعليقاً على اغتيال الحسن حين اعتبر في تصريح لصحيفة "مللييت" التركية، أن رئيس فرع المعلومات كان عنصر توازن في لبنان، واصفاً الجريمة بأنها حساسة وستخلق تداعيات كبيرة بقدر ما خلقه اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. وفيما كان الاستنتاج بأن جريمة الجمعة الماضي توازي بأهميتها جريمة اغتيال الحريري قد تردد على ألسنة بعض القادة السياسيين، لا سيما من زاوية تداعياتها على الوضع الداخلي، فإن قول أوغـــلو إن الحــسن كان عنصر توازن ألقى ضـــوءاً على اقتنـــاع قيادات لبنانية بأن عملية الاغتيال لها أهداف تتعدى المشهد اللبناني من جهة، ومسألة الرد على كشف فرع المعلومات شبكة الوزير السابق ميـــشال سماحة ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك من جهة ثانية، على رغم أن لها وظيـــفة في ما يتعلق بهذا الملف بالذات، الذي يمس القيادة السورية مباشرة.وفي اعتقاد هذه القيادات أن عملية الاغتيال جاءت في إطار الصراع الدولي – الإقليمي الكبير الدائر في المنطقة، انطلاقاً من تصاعد الأزمة السورية والاستقطاب الخارجي في شأنها وامتداداً داخل الساحة اللبنانية، في شكل يجعلها عملية فائقة الحساسية وفق تعبير أوغلو.
وتعتبر هذه القيادات أن شطب اللواء الحسن يعود الى تصنيفه إحدى أهم الشخصيات الأمنية والسياسية في البلاد، التي استطاعت بناء أهم جهاز أمني لبناني مستقل بسنوات قليلة، منذ الاستقلال اللبناني. فالحسن تمتع بكفاءة عالية وبرودة أعصاب نادرة وتخطيط دؤوب لتدعيم المؤسسة التي رأسها، وصولاً الى إنشاء هيكلية محترفة، فبرهن بذلك أنه رجل مؤسسات حقق من خلال هذا الجهاز إنجازات قياسية في الفترة القصيرة التي تبوأ قيادته وعمل في شكل متوازن من الزاوية الأمنية مع الفرقاء اللبنانيين. وتفوق الراحل بذلك على أقرانه من القادة الامنيين. وبقدر ما لعب الفرع دوراً أساسياً في تقديم المعلومات الى المحكمة الدولية حول اغتيال الرئيس الحريري في كشف بعض جوانب الجريمة التي اتُّهم بالتورط فيها عناصر من "حزب الله" من قبل المحكمة، وسهر على أمن قيادات لبنانية معرضة للاغتيال وحالت تحذيراته والمعطيات التي كان يجمعها دون وقوع بعضها، تعاطى بوطنية عالية مع الفئات السياسية الأخرى الخصمة لـقوى "14 آذار" وسلّم "حزب الله" عناصر مخترقة من قبل الموساد الإسرائيلي بعد أن كشفهم، لحماية المقاومة ضد إسرائيل، إضافة الى كشفه أكثر من 30 شبكة تجسس إسرائيلية مثلما كشف جرائم أخرى عادية وإرهابية.
وترى هذه القيادات أن الحسن تمتع بعقل سياسي، إضافة الى العقل الأمني الثاقب، فكان يلعب أدواراً مهمة على هذا الصعيد وجهد للإفادة من أي أمل بتحقيق تقارب لبناني – لبناني، لا سيما بين صديقه زعيم "تيار المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري وبين بعض خصومه حين كان يرى نافذة مفتوحة، فتميز سلوكه في هذا المجال بسلوك رجال دولة، إضافة الى إثباته أنه رجل مؤسسات على الصعيد الأمني. وحصل ذلك في العلاقة بين الحريري و "حزب الله" في مرحلة من المراحل، على رغم فشل المحاولات المتكررة.
ومن المحطات الأهم التي واكبها من قرب في هذا المجال المفاوضات السعودية – السورية التي سميت بـ "س س" خلال عام 2010. وهو كان من أكثر الذين أصيبوا بخيبة أمل حين فشلت لأنه كان يأمل أن تؤدي التسوية التي كان يجري التحضير لها في هذا الإطـــار الى إعـــادة بــــناء الـــدولة. وفي مرحلة ما بعد إســقاط حكومة الرئيس الحريري بداية عام 2011، سعى انطلاقاً من صفة الاعتدال التي تميزه، الى استــغلال علاقته مع الرئيس نجيب ميقاتي من أجل البحث عن نقاط مشتركة لكن محـــاولاته اصــطدمت بالمعادلة المفروضة على رئيس الحكومة منذ تشكيله الحكومة. وتنتهي القيادات هذه الى القول إن هذا المسار الأمني – السياسي في سلوك اللواء الحسن الذي تميز ببراغماتية لا تساوم على مبدأ المؤسسات ومنطق الدولة، جعله في دائرة المغضوب عليهم لأن استقلالية فرع المعلومات عن التأثيرات الاستخباراتية السورية (ومعها محور الممانعة) أو أي جهاز أمني خارجي آخر، أدت الى تصنيفه في خانة الخصومة نظراً الى أن هذه الأجهزة معتادة على أن تكون الأجهزة اللبنانية بتصرفها وتحت أجنحتها في خططها وتحركاتها داخل لبنان وفي علاقتها مع الخارج على أرضه أو خارجها.
وتقول هذه القيادات إنه إذا كان الدور الداخلي للحسن قد جعل اغتياله امتداداً أو شبيهاً باغتيال الحريري، من زاوية العداوة التي تسبب بها عمل كل منهما لبناء مؤسسات لبنانية قوية ومستقلة عن التأثير الخارجي، فإن هذا سبب كاف لاستهدافه مثلما استهدف الحريري.
لكن هذه القيادات تشير أيضاً الى أن الحسن، كالحريري (وكل وفق ظروفه المحيطة به)، استشعر التغييرات الآتية على المنطقة بعد انطلاق الربيع العربي ثم تعاطى مع التغيير الذي بدأ مع انطلاق الانتفاضة في سورية برفض منطق مساهمة أجهزة الأمن اللبنانية بمقاومة هذا التغيير، أو مساعدة الاستخبارات السورية على مواجهة الناشطين السوريين على الأرض اللبنانية، بل على العكس اعتماد نهج يقوم على حماية هؤلاء من الاستهداف الذي كان يحصل من جهات لبنانية أو مؤسسات حليفة للنظام السوري. كما أن التطورات المتسارعة في المنطقة، معطوفة على فعالية واحتراف فرع المعلومات، جعلت الجهات الاستخباراتية الدولية تتعاطى معه باحترام وتنسج (ومسؤولين سياسيين كباراً) علاقة تبادل للمعلومات مع الحسن وفرت له هامشا واسعا من التحرك، ووسعت أفق جهازه ورؤياه للأوضاع الإقليمية بحيث تمكنه من فهم انعكاسات التطورات الخارجية على لبنان لأنها ساعدته على التعرف على ما يهيأ لها.
وتنتهي هذه القيادات الى القول إن هذا الجانب من علاقات فرع المعلومات الخارجية سبب إضافي لتشبيه اغتياله باغتيال الحريري.
كما تخلص القيادات إياها الى القول إن ما تقدم يتيح إدراك ما يقصده الوزير أوغلو، من أن الحسن كان عنصر "توازن" في لبنان. فتطورات السنوات القليلة الماضية قادت الى رجحان كفة التحالف السوري – الإيراني (وحزب الله) في لبنان، الذي له نفوذه في المؤسسات ويلعب دوراً مرجحاً داخل حكومة ميقاتي نتيجة تفوقه في ميزان القوى الداخلي. وهو تفوّق كان يفترض ترجمته أيضاً في العمل الأمني، لكن فرع المعلومات بقيادة الحسن كان خارج دائرة نفوذ هذا التحالف، بل حقق توازناً مع هذا النفوذ إن بكشفه بعض خططه أو بمعاكسة هذه الخطط أحياناً. بل إن هذه القيــادات تقول إنه كان لدى الحسن المزيد لكشفه في ســـياق نشاط فرع المعلومات لإبقاء لبنان بمنأى عن أعمال كانت تخطط على أرضه في سياق الصراع الدولي الإقليمي الدائر في المنقطة، قبل إسقاطه. وهو أمر يدفع هذه القيادات الى القلق من مزيد من الاغتيالات في لبنان.