العدوان الأسدي ـ الباسدراني الجديد على لبنان متواصل منذ اغتيال اللواء وسام الحسن نهار الجمعة الفائت.
قبل أن يكون السؤال كيف يمكن صدّ هذا العدوان، وقيام الإستقلاليين اللبنانيين، بهجمة مرتدّة، شاملة، ينبغي ألا يغيب عن البال أنّه عدوان لن يكتفي، ولا يمكنه أن يكتفي، بالاغتيال النوعي الأخير، وكل الزخم التحريضي المتعطّش لسفك دماء جديدة يدلّ على ان العدّوان مستمرّ ويتحضّر لضربات أمنية جديدة، اذ ان طبيعة الاغتيال الأخير نفسها تفرض ذلك. هو اغتيال لا يمكنه ان "يكتفي بذاته" طويلاً: عقيدة "السلاح لحماية السلاح" يترجمها الشرّ اذاً "السلاح لحماية الاغتيال"، ان لم يكن "الاغتيال التالي لحماية الاغتيال السابق".
اذا ما توافق المرء على هذه المقاربة العامّة، أمكنه من ثم اطلاق النظر في ما يمكن فعله. في الأيام الأولى بعد بدء هذا العدوان، لا بأس بأن "تتفتح مئة وردة" لاستعادة شعار ماو تسي تونغ الشهير. ويعني ذلك في سياقنا هذا انه ليس هناك جواب سحريّ متوفّراً عند أحد، لكن وحدها الذات الاستقلالية التعدّدية القادرة على توسيع صدرها لاحتضان كافة المبادرات النضالية المتحدّرة من صلبها، وغير المتخففة من تلقائيتها وعفويتها، هي الذات القادرة على ان تكسر صلف هذا العدوان المنظّم لاحقاً، وتحضّر للهجمة المرتدة الضرورية بعد ذلك.
من الطبيعي في مرحلة اولى ان تنتفض الجماعات التي تشعر ان الاغتيال يستهدفها في وجودها الكياني نفسه بالدرجة الاولى. وهذه الاشكال الاولى لرفض العدوان ليست خاضعة في الاساس لأحكام التقويم، بل هي الاشكال التي يفرزها الواقع نفسه، ولا بد من الانطلاق منها لاحقاً والتأسيس عليها، وتنظيم وعيها لنفسها، وتنظيم حماستها، للتحرّك باتجاه برنامج اكثر تنسيقاً، وبالشكل الذي يؤمّن في اسرع وقت ممكن عملية اسقاط حكومة منظمة "حزب الله"، وتكريس مبدأ خلوّ أي حكومة مستقبلية من وزراء ينتمون الى هذه المنظمة المسلّحة قبل ان تسلّم الاخيرة "القديسين الاربعة" الى المحكمة الدولية. فهذا المطلب بالذات له راهنية جمّة اليوم.
الردّ الاولي على بداية العدوان لا بدّ ان يتحلى بالعفوية والتلقائية والعشوائية فهذه عناصر حيويته. ومن لا يفقه الحيوية لا سبيل له الى السياسة.
اما الانتقال الى لحظة الهجمة المرتدة، وصولا الى اسقاط نظام الهيمنة الفئوية لـ"حزب الله" من حيث هو ايضاً نظام عميل لبشار الأسد، فهذا يتطلب انتقالاً منهجياً، ومضنياً، باتجاه رفع درجة الوعي، والوعي يعني بشكل اساسي مشكلة قيادة ومشكلة تنظيم.
وهذا يتلاقى بطبيعة الحال مع رفض منطق السلم الأهلي ـ الارهابي، اي القائم بشرط حرية الاغتيال السياسي والعمليات "الموضعية" الامنية، والذي يختلف تماماً عن السلم الأهلي "البارد" أو "النسبي" أو "المتقطع" أو "المكبوت" كما عرفه لبنان بعد الحرب، والى يوم انطلقت فيه سلسلة الاغتيالات المستهدفة للنهج الاستقلالي.
السلم الأهلي – الارهابي من نوع مختلف: انه نظام اضطهاد فئة لأخرى من خلال الاغتيالات، ثم من خلال الابتسامة الصفراء بأنها الملعونة اسرائيل، او انتظروا نتائج التحقيق.
هذه الدوامة الجهنمية ينبغي ان تتوقف. فقط حين يكون هناك رفض واضح وشعبي ولا لبس فيه لمنطق "السلم الاهلي الارهابي" ستزداد الاحتمالات السلمية، او اقله الاقل كلفة امنيا، لمعالجة الازمة الاهلية اللبنانية، وكف العدوان الشائن القائم حالياً.
فالجماعة القاتلة تبني حساباتها على ان الجماعات الاخرى "تحنّط" السلم الاهلي، وانها جماعات "بدنا نعيش" وبالتالي لن تتبدّل طبيعتها عندما تُغتال رموزها. هذه الحسابات ينبغي ان يعاد خلطها على نحو صادم. ليس الحل طبعاً بابتداع "ثقافة موت" استقلالية في وجه "ثقافة الموت" الخمينية، لكن الحل يبدأ من التذكر بأنّ الذين استشهدوا، وآخرهم الشهيد وسام، اغتيلوا لانهم دافعوا حتى الرمق الاخير عن قيمة الحياة، انما عن حياة لا معنى فيها من دون البطولة. نعم، البطولة. هذه قيم اساسية ينبغي اعادة اكتشافها. البطولة محدّد أساسيّ في السياسة. وهو على اهميته محدّد صعب، ويلتبس أمره على كثيرين.