#adsense

حي المستورين

حجم الخط

 غريبة يوميات الإنسان، عندما يَمر بها القدر. قبل أن يُعلن أن هدف انفجار الأشرفية هو لواء المعلومات وسام الحسن، اتصل بي ابني من باريس يسألني أين أنا؟ قلت لماذا؟ قال لأن الشارع الذي فيه محل حلاقك، إيلي فضول، يحترق. لماذا يفجَّر هذا الشارع الصغير؟ قبل أن أتوجه لمشاهدة التلفزيون رحت أعرض في رأسي علامات الشارع: بيوت عتيقة من الأربعينات، ودكان بقّال، ومحل إيلي فضول، الذي لا تزيد مساحته على 15 متراً. ووجوه عتيقة من عمر المباني. وبعض جمالات اليوم.

ما لبثت أن شاهدتُ هذه الوجوه الأليفة على الشاشة، تنزف منها الدماء وتعلوها صفرة الرعب. وللمرة الأولى أدركت أن لها أسماء. فالصورة التي في ذهني أن هؤلاء البسطاء يحملون اسماً موحداً هو "المستورون". وشكلاً واحداً تقريباً. وزيّاً موحداً، هو أيضاً زيّ الستر.

من يمكن أن يخطر له تفجير حي المستورين؟ مَن مِن الناس أخذ علماً فجأة بوجود سكان شارع إبرهيم المنذر؟ كان هناك في الماضي مبنى لـ"بنك المدينة"، ولكن منذ أن انتقل البنك بخزنته إلى البرازيل، أزيل المبنى لمحوه من الذاكرة، وصار أرضاً معروضة للبيع. أعرف كل هذه الأمور والمستجدات من إيلي فضول، وأعرف منه أخبار مواسم الأكي دنيا في شرق صيدا، وأقرأ عنده المجلات الفنية التي لا وقت لقراءتها في مكان آخر.

سمّى وضَّاح شرارة كتابه عن اغتيالات لبنان "يوميات القتل العادي". يسقط الرجال في الطريق الى بيوتهم أو مكاتبهم. وبعضهم يطارده التفجير والحريق ولا يطاله القاتل: مرَّ على هذا الطريق الفحمي سليم الحص ووليد جنبلاط ومروان حماده والياس المر. ومرَّ على الطريق النهائي كثيرون، وتفجّر من حولهم أناس لا أسماء لهم ولا ألقاب. فالاغتيالات الفردية في لبنان جماعية دائماً.

لذلك فيما بحث رجال الإنقاذ في الحرائق والركام عن بسطاء الحي، كان العقل اللبناني المسكون بهواجس الرعب والخوف، لا يزال يبحث عن الهدف. لا يمكن أن تُصهر السيارات وتتدلّى الشرفات وتتطاير الجثث وتمتلئ المستشفيات، بسبب سكان شارع إبرهيم المنذر. هؤلاء لا يمر بهم أحد ولا يدري بهم أحد، إلا ساعة التقاط الصور بعد وقوع الحرائق.

العثور على سوار ساعة وسام الحسن، كان الخبر، والدليل الوحيد. لكنه أيضاً كان المفاجأة. فالرجل ترك انطباعاً لدى خصومه وأصدقائه، أنه لا يقهر، وأنه ماهر في رسم المكامن، لكنه لا يقع فيها. وعلى نحو ما، كان رمز الضابط الحديث، المتقدم في عصر التكنولوجيا، والمتقدم خصوصاً على تقدّم سواه في الملاحقة.

لم تنفع آخر حداثات التكنولوجيا في حماية رفيق الحريري. حشدوا ضدها عدداً كبيراً من عملاء الإشارة، يساندهم ألف كيلو من سلاح النسف. في قتل وسام الحسن كان عدد عملاء الإشارة أقل وحجم الديناميت يتناسب مع حجم شارع إبرهيم المنذر.

مثل رفيق الحريري، لم تكن هناك رسالة في اغتيال وسام الحسن. كان هو الهدف النهائي. ممنوع أن يكون الضابط اللامع مستقلا أيضاً. ثم إن الرجل، على رغم ايثاره الظل والصمت، كان أيضاً سياسياً يُصغى إليه، مع ثلاثة رؤساء حكومات على الأقل: رفيق الحريري وفؤاد السنيورة وسعد الحريري.

لذلك كان الهجوم الصاخب اليومي عليه، هجوماً على ركن سياسي، وليس على ضابط أمن عالي الرتبة والإنجاز. وكانت المطالبة الدائمة بإلغاء الفرع الذي يرئسه دلالة على استقلاليته. ولم يشفع به، أو بالفرع، كشف شبكات التجسس وأعمال الخيانة. كان المطلوب رأسه وقلبه. وقد تفتت كلاهما.

مواكب سوداء. هذه علامة لبنان منذ سنوات. السياسيون والمسؤولون، يصلون الى أي مكان في موكب سياراته سود وزجاجها فاحم. الجنرال عون أعلن أنه ذهب الى مهرجانه الانتخابي في جزين في ثلاثة مواكب، اثنان منها وهميان. الرئيسان سليمان وميقاتي وصلا المواكب على جميع السياسيين كما هو شائع هنا، اذ يبدو أن المواكب لم تعد تحمي أحداً في أي حال، فلكل موكب عيون سرية تواكبه وأيدٍ تفخّخ مواكب السيارات المتوقفة في الحارات وأمام المكتبات.

لم يعد شيء يوحّد الناس سوى لون المواكب وأعداد ما فيها من سيارات. إذا كان هذا حجم الخوف عند المحميين فكيف سينظر الإنسان العادي الى أمانه. كان وسام الحسن يكشف في حياته اختراقات اللبنانيين وفي اغتياله كشف مدى عطب لبنان. نحن نرفض أن نقرّ بأن الوطن الذي عرفناه لم يعد قائماً. لا في استقلاله ولا في مواثيقه ولا في صورته ولا في غايته الوجودية.

في معرض "زمن الندوة" تذكّرنا كيف كان يحاضر عندنا الحبيب بورقيبة وأرنولد توينبي وليوبولد سيدار سنغور وناظم حكمت. كانت الأفكار تتضارب في بلدانها وتلتقي عندنا. ثم صدر قرار 1975: هذا اتجاهاته وزعاماته وبلد يصل فيه المشاركون في "الحوار الوطني" في سيارات تشبه سيارات الجنائز في الأفلام الأميركية.

ممن يخاف الجميع؟ أكيد هناك داع للخوف. جميع الرؤساء في العالم يتخذون احتياطات فائقة. هناك مجرمون، وهناك مجانين وأحدهم أطلق الرصاص على رونالد ريغان كي يثير غيرة فتاة لا تلتفت إليه. ولكن في ما عدا الرؤساء لا يسيطر رعب. بلد كثير الحرية والفكر، بلد مولود في عصر النهضة، وعاصمة تطبع من الكتب أكثر مما تطبع القاهرة، كما قال مصطفى أمين. ندوة وكتب وحياة. هذا كثير على السور العربي ولا يُطاق.

كان يجب كسر لبنان لأن عدواه خطِرة، من ناحية ينقض الدولة الدينية في إسرائيل، ومن ناحية يفضح الأحادية العربية التي تتظاهر بتوحيد الله في السماء وتذوب في توحيد الحاكم والحزب على الأرض.

كان متعدداً والمنطقة فردية وكان لا يُطاق. والآن موحّد والمنطقة تتشقق وهذا أيضاً لا يُطاق. كشف موت وسام الحسن كيف تنقسم الناس بين جنازة وانفراج. الذين قرّعوه في حياته ودعوه يوم جنازته بالتقريع. كان صخرة لبنانية لا تُطاق في زمن الانفصال والافتراق. وكان انضباطياً أكثر منه ضابطاً. فالرتبة الحقيقية التي مات عليها، هي رتبة المواطن. وهذه لا تُطاق في لبنان، مثلها مثل الوطن والدولة والقانون، الأقنوم الذي أودى به.

يجب أن نقرّ بما هو أمامنا. لبنان الذي مضى قد مضى. كان له رجاله وهؤلاء لم يبق منهم سوى الظلال. والمُثل التي أقيم عليها لبنان لم يعد لها مكان. والمجتمع الثقافي والإنتاجي والدستوري الذي نشأ عليه لبنان، تحوّل الآن، في كل فئاته وتكويناته، مجموعة مجتمعات "عسكرية" السلوك، تهتف للطاعة لا للحرية، وللرجل لا للخصائل، وللخطيب لا للخطاب.

آن لنا أن نعترف، مهما كان ذلك مؤلماً، أن التغيّر الجذري قد حصل في جوهر الجماعة. الحماسة الفاشية الإلغائية أكثر وضوحاً عند الشبان وفي الحروب الجامعية. وفي المساجد والكنائس تغيّرت العظات من الرحمة الى الفرقة. وكذلك في الصحافة وفي التلفزيونات، لم يبق أي ضابط أدبي أو أي أمل أو أي قضية. كل واحد يحمل على كتفه حمل رئيسه لا حمل وطنه أو أسرته أو هم البقاء في وطن واحد.

نُصح وسام الحسن بألاَّ يعود. ولكن أين يداوم ضابط مسؤول؟ في باريس؟ وقيل لجبران تويني لا تعُد، فسوف يكونون في انتظارك. ولكن هل يقبل جبران تويني نصيحة تبقيه بعيداً من "النهار"؟ ألا يُدرك هؤلاء السادة أن ثمة جهات يحظّر إغضابها، لأن غضبها مُطلق غير قابل للسماح؟

هذه المرة، كُشِفَ لبنان. مجموعة تصدعات كانت بالأمس وطناً، أو بالأحرى حلماً بوطن. والآن مجموعة متباعدين يحلمون بأوطان كثيرة. أوطان متضادة ومتناكرة وترفض أي قاسم مشترك، في الأرض أو في السماء. أو في ما بينهما. لم نلحظ أن الرجال تغيّروا. كان يفترض بجنابكم حضور معرض "زمن الندوة" لكي تقرأوا ماذا كان يقول المحاضرون في رؤيتهم للبنان: حسين العويني وصائب سلام وتقي الدين الصلح وفيليب تقلا وإمام لبنان، السيد موسى الصدر، لكن "زمن الندوة" قد انقضى، معرضاً وزمناً. كانت تلك أحلاماً كبرى ونحن بلد صغير. وكان أولئك "المؤتلفون أنفسهم" ونحن نقرّع الناس في جنازاتها.

أيضاً "سيار الدرك"، مثل الحلاق، كان على نحو 500 متر من حيث نشأت في شارع أديب اسحق. كنا نمر به كل يوم ونراه من الخارج مبنى عتيقاً وغامضاً. هذه المرة رأينا الفرقة الموسيقية تؤدّي النشيد الجنائزي في وداع رفقاء السلاح. وكان المشهد راقياً ومؤثراً. تحية إلى أشرف ريفي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل