#adsense

المتغيرات المحلية والإقليمية تستدعي رحيل الحكومة

حجم الخط

تستدعي المتغيرات المحلّية والاقليمية رحيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، رغم سياسة الهروب الى الأمام التي يتّبعها بشار الاسد مواصلا التصرّف في لبنان كأنه ما زال في عزّ قوته، فيما مصير نظامه مطروح في دوائر القرار العالمية بغض النظر عن الفترة التي يتطلبها سقوطه عسكريا، وهي السياسة نفسها التي يتّبعها حلفاؤه المحليون وفي مقدمهم "حزب الله" باعتبارهم اغتيال رئيس شعبة المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن حادثا عابرا لا يغيّر شيئا في واقع فرضوه بقوة سلاحهم.

فقد تقاطعت اتهامات "قوى 14 آذار" السياسية لنظام الاسد بالوقوف وراء الاغتيال، بغض النظر عن الادوات المحلية المساعدة او المنفذة، خصوصا ان هذا الجهاز الامني هو الوحيد غير المرتبط بأجهزة جاره. كما ربط رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميقاتي والنائب وليد جنبلاط الاغتيال بملف متفجرات حملها الى لبنان النائب والوزير السابق ميشال سماحة تلبية لطلب رئيس الامن القومي السوري علي مملوك. وتخالف هذه التقاطعات مواقف "حزب الله" وحليفه النائب ميشال عون بتحميل المسؤولية لاسرائيل مثلا رغم كل الاتهامات التي ألصقها سابقا حلفاء الاسد بالحسن باعتباره عميلا للولايات المتحدة والدولة العبرية.

ورغم التأييد الشكلي للحكومة، من الواضح ان وسطييها، خصوصا الرئيس سليمان وجنبلاط، لا يتمسكون بالمطلق ببقائها، بل المحوا بوضوح الى استعداد للبحث في البديل على ان لا يكون فراغ في السلطة التنفيذية يساهم في هزّ الاستقرار وفي تدفق تداعيات الثورة السورية، وثمة معلومات عن ان مشاورات رئيس الجمهورية مع اقطاب طاولة الحوار تتطرق الى امكانية تشكيل حكومة جديدة. حتى رئيس البرلمان نبيه بري لم يتمسك بها اذا كان البديل حكومة وحدة وطنية يستحيل قيامها حاليا بل الامر يتطلّب، كما تسعى "قوى 14 آذار"، حكومة انتقالية.

لكن قيام حكومة من هذا النوع يفرض على "قوى 14 آذار" ان تضع دفتر شروط يؤدي الى وقف التدهور الاقتصادي والامني ويحافظ على الاستقرار ويثبت السلم الاهلي الذي يتطلب تحقيقه تسيير عجلة الدولة بطريقة تلغي الاستئثار، كما يؤمن اشرافها على انتخابات مقبلة يتسلم بنتيجتها الفائز السلطة، بعد ان كرست "قوى 8 آذار" حكومة الاكثرية وان من لون واحد.

فحكومة ميقاتي، التي تشكلت تلبية لرغبة الاسد و"حزب الله" بعد اسقاطهما "اتفاق الدوحة" عبر التهويل في الداخل مجددا بالسلاح واقالة حكومة التوافق الوطني برئاسة سعد الحريري، لم تلاق في بداياتها أي ترحيب عربي ودولي. لكن مع اندلاع الثورة السورية هادنها الخارج شيئا فشيئا حفاظا على الاستقرار لتبقى العيون مسمرة على سوريا في غياب أي خطة فعلية لمساندة الثوار للحسم وفي انتظار استمرار التأكّل الداخلي على حساب دم المواطنين. لكن رغم هذه المهادنة فشلت هذه الحكومة في تقديم أي حلول اجتماعية او اقتصادية اضافة الى السياسية، بسبب الخلافات على الحصص بين مكوناتها، فيما يساهم "حزب الله" الجالس على طاولتها بدعم نظام الاسد عسكريا ويرسل طائرة استطلاع "ايوب" فوق الاراضي الاسرائيلية بما يخالف سياسة "النأي بالنفس، التي تدّعيها او تمسكها بتطبيق القرار 1701 حتى لا تستجر الويلات على لبنان كما حدث عام 2006.

وأتى الاغتيال الزلزال وموجة الغضب الشعبي العارمة التي دفعت بقيادات "قوى 14 آذار" الى طرح الصوت عاليا للاطاحة بالحكومة التي يمتنع "حزب الله" المشارك فيها عن تسليم متهمين للقضاء، وتحجب "داتا" الاتصالات منذ 19 ايلول عن الاجهزة الامنية رغم اعترافها بدورها الهام خلال زيارة بابا روما الاخيرة. فقررت هذه القيادات مقاطعة كلّ ما يتّصل بالعمل الحكومي وفي مجلس النوّاب قبل استقالة الحكومة.

لكن، وخشية تهديد الغضب الشعبي للسلم الاهلي، تقاطر ممثلو القوى العظمى الى القصر الرئاسي للاعراب عن خشيتهم على الاستقرار لا لدعم الحكومة بذاتها، انما باعتبار وجودها وان الضعيف عاملا مساعدا، خصوصا ان الغضب الشعبي يساهم في تنمية التطرف والارهاب: أي البعبع الذي يستخدمه الاسد وحلفاؤه لاستجداء الدعم الخارجي من غير حليفيهم المكرّسين ايران وروسيا.

لكن خشية الخارج المفرطة على الاستقرار قابلة للتغيير اذا نجحت "قوى 14 آذار" في فرض الامر الواقع اسوة بما قامت به عام2005 . فحينها عارضت القوى الدولية بداية مطلبها سحب الجيش السوري ودعت الى الاكتفاء باعادة تموضعه لكن المدّ الشعبي الجارف غيّر موقفها.

ويجسد اغتيال الحسن مواصلة نظام الاسد اعتبار لبنان حديقته الخلفية رغم ان البحث جار عن تسوية دولية على مصيره تشارك فيها روسيا لتأمين مصالحها في المنطقة الاقتصادية منها والعسكرية والسياسية. ومن المتوقع ان توضع هذه التسوية على نار قوية بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الاميركية في السادس من الشهر المقبل. وبغض النظر عن تفاصيل التسوية وما يتعلق منها بالملف النووي الايراني، من المؤكد انها ستحفظ امن اسرائيل وتحاصر شبكة صواريخ "حزب الله" وتحجم الامتداد الايراني في سوريا ولبنان.

لكن حال البلبلة في صفوف "قوى 8 آذار"، رغم استمرارها في اتباع سياسة الهروب الى الأمام، واضحة، سواء بالاستثمار السخيف للدعم الخارجي باعتباره دعما للحكومة او بالتركيز على ما جرى بعد التشييع امام السرايا وتضخيمه رغم تنافره الفاضح مع كل مبادئ وادبيات "قوى 14 آذار" التي تعتمد اساسا على الدولة.

رد فعل ميقاتي الاول على الاغتيال، كان ربط واضح بين التفجير وملف سماحة – مملوك، لكن من كانوا وراء ولادة الحكومة لا يريدون رحيلها في هذا الظرف بالذات حفاظا على مكاسبهم وانتظارا لتحقيق اخرى قبل سقوط النظام الاسدي، فلم يمانعوا مثلا قيام ميقاتي بخطوات صغيرة لحفظ ماء وجهه ومنها الاحالة على المجلس العدلي ومشاركة اميركيين في التحقيق.

هكذا يستمر "حزب الله" مستقويا بسلاحه كأن لا متغيرات ولا اغتيال. لكن لا يمكن استيعاب فلتان الشارع حفاظا على الاستقرار الا بالسياسة، وبالتالي فالوسيلة الوحيدة هي تغيير الحكومة بأخرى انتقالية تساعد في التهدئة، فيما تبقى قائمة المشكلة الاساسية المتمثلة في احتكار السلاح خارج الشرعية، بما يجعل المساواة بين الافراد والجماعات معدومة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل