لا يمكن النظر إلى اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن على أنه حدث عابر في الحياة السياسية اللبنانية، خصوصاً في ظل الوضع الراهن الذي يعتبر الانقسام السياسي الحاد عنوانه الرئيسي، وفي الوقت الذي تتفاقم الأزمة السورية تعقيداً وتتضاءل فيها فرَص التوَصّل إلى تسوية لإنقاذ سوريا ممّا يقوم به النظام السوري يومياً من أعمال قتل مشهودة.
والشهيد كان رمزاً من الرموز الأمنية الأساسية في البلد. صحيحٌ أنه كان مقرّباً من فريق سياسي هو تيار "المستقبل"، إلّا أنه كان على رأس جهاز أمني قام بسلسلة من الخطوات الكبرى والإنجازات الرئيسية، أكان ذلك في كشف شبكات التجسس الإسرائيلية أو في تزويد المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالمعلومات والمعطيات التي أدّت إلى إمساك خيوط رئيسية في غير ملف، أو في كشف المخططات الإرهابية وآخرها كان مخطط الثنائي سماحة – مملوك.
إن ردة الفعل الغاضبة بشكل عارم مفهومة بشكل عميق، لا سيما أن الاغتيال أتى ليعيد إلى الأذهان صورة مسلسل الاغتيالات الذي انطلق في العام 2004 وطاول خيرة القيادات السياسية والإعلامية والنيابية، ووضع لبنان أمام منعطفات خطيرة كان أكثرها حدّة أحداث السابع من أيار 2008.
ومن حق الجماهير الغاضبة أن تطالب باستكمال التحقيق وكشف القتلة والقيام بكلّ ما يلزم للحيلولة دون لفلفة القضية ووضعها في أدراج الإهمال والنسيان. كما أنه من حق المعارضة، لا بل من واجبها، أن تسعى إلى إسقاط الحكومة والسلطة التنفيذية، فهذا يَقع في صُلب مهامها أسوَة بما يحصل في أي نظام ديموقراطي.
إلّا أن المطالبة بإسقاط الحكومة شيء وإسقاطها فعلياً قبل توفير البدائل عنها شيء آخر، لأنّ من شأن ذلك تعميق الانقسام والشرخ السياسي في البلد، وتوسيع قاعدة الانكشاف الأمني وتالياً إتاحة المجال أمام اغتيالات جديدة أو تفلّت أمني قد يخرج عن السيطرة، وتأمين الأرضية الخصبة والملائمة لمناخ الفتنة والاقتتال الداخلي. وهذا ما يمكن وصفه بأنه وقوع في الفخ الذي نصبه النظام السوري.
إن المعارضة مدعوّة، أكثر من أي وقت مضى، إلى التعاطي بروية وعقلانية تامة مع الحدث الجلل، وعدم الوقوع في ما يُحاك للبنان من اقتتال داخلي، وذلك يتحقق من خلال البحث الجدي في حكومة شراكة وطنية بغطاء محلي وإقليمي وعربي. ولعلّ المعارضة تقرأ بين سطور البيانات التي يذيعها السفراء العرب والأجانب الذين يؤكدون إصرار المجتمع الدولي على حماية استقرار لبنان ومَنع انزلاقه نحو التوتر على خلفية الثورة السورية، وفيه أيضاً شكل من أشكال التمسّك بالحكومة الحالية لحفظ الاستقرار. أليست مسؤولية اللبنانيين التقاط اللحظة السياسية بحماية لبنان بدلاً من تكريس انكشافه؟
إنّ أي مغامرة بإسقاط الحكومة الحالية قبل التشاور حول طريقة استيلاد حكومة بديلة، سيدخل البلاد في الفوضى العارمة وسيسقط المواعيد الدستورية والاستحقاقات الديموقراطية وفي طليعتها الانتخابات النيابية التي تعوّل عليها كل الأطراف لنَيل الأكثرية المرتجاة.
إذا كان المصاب الأليم قد وقع باغتيال اللواء وسام الحسن، فإن إيفاءه حقه لن يكون باقتحام السراي الكبير أو بشلّ المؤسسات الدستورية، فهذه كانت موضع شكوى المعارضة الراهنة عندما كانت في السلطة من المعارضة التي كانت خارج السلطة آنذاك. فهل يمكن تكرار الخطأ الذي كان هو موضع الشكوى؟
إنّ إيفاء الشهيد الحسن يكون بمزيد من الالتفاف حول الدولة وتقويتها، فالشهيد كان أحد رموز الدولة، وهو استهدف لأنه كان يشغل هذا المنصب الحساس، وليس بسبب انتمائه الطائفي أو المذهبي. وقد أيقن اللواء أشرف ريفي هذه المعادلة، وعمل على أساسها.