مرة جديدة تتعرّض "القوات اللبنانية" لحملةٍ إعلاميةٍ مأجورة ومبرمجة، تهدف للنيل من صورة وهيبة هذا الحزب الرصين والحريص على مؤسسات الدولة كافة. حتى يوم تخلّت الدولة عن مؤسساتها وسقطت في المحظور واندلعت الحرب، ورُفعت المتاريس، وانقسمت القوى الأمنية، بقيت "القوات اللبنانية" درعاً حصيناً للدولة اللبنانية، وإن أُجبرت قسراً على حمل سلاحٍ رديفٍ لسلاح الدولة، فكان أحد أهمّ أهداف هذا السلاح هو إضافةً للدفاع عن الأرض والوجود، كان أيضاً للحفاظ على ما تبقى من دولة والإبقاء على ما يُشبه "نواة دولة" بكل ما لهذه الكلمة من معنى بدءاً بمؤسسة رئاسة الجمهورية إلى آخر خفير جمركي في مرفأ بيروت وما بينهما، إلى أن حان وقت الانطلاق باتجاه إعادة بناء مؤسسات الدولة وقيامها من غيبوبةٍ امتدت خمسة عشرة عاماً. كانت القوات اللبنانية تُحيط هذه المؤسسات عنايةً وحمايةً، وقدمت الشهداء والجرحى بالآلاف ليبقى العلم اللبناني يُرفرف فوق السارية على سطوح الإدارات الرسمية وليبقى لهذا الوطن "دولةً" اسمها "الدولة اللبنانية".
فـ"القوات اللبنانية" يُعرف عنها أنها أمّ الصبيّ لأنها ترفض تغطية المخالفين، ولا تأوي على غرار سواها مطلوبين، ولا تحتضن خارجين على القانون، وأكثر من ذلك ففي عزّ سطوة الوصاية وجبروتها بقيت "القوات اللبنانية" تعتبر أن للدولة مؤسسات علينا الوثوق بها كالجيش والقضاء وغيرهما والعمل على تحصينها وحمايتها من الوقوع بأي خطوة ناقصة.
ولشدة تعلّقنا بمرجعية الدولة، وإيماناً منا أن دولة هرمة، متآكلة، أفضل بألف مرة من اللادولة أو الدويلات المبعثرة المفككة، كان القرار الكبير بتسليم أنفسنا لجلادينا وأعدائنا خلال حكم الوصاية بدءاً بالدكتور سمير جعجع وصولاً إلى آخر عنصرٍ في التراتبية آنذاك، كلّ ذلك لا لشيء إلاّ لأننا اخترنا البقاء على الهروب إلى جادات باريس، وقررنا تسليم أرواحنا لدولةٍ عاهرة، غير عادلة، مُوصى عليها، وقضاء قُضي عليه، إنما بقي ينطق زوراً باسم الشعب اللبناني ويُصدر أحكاماً جائرة وملتوية، بالرغم من كلّ ذلك لم نفقد الأمل يوماً بالدولة ولا بمؤسساتها.
فهل يُعقل أن مَن له هذا المسار الأليم والباع الطويل بالحفاظ على مؤسسات الدولة يُتهم بالاعتداء عليها؟ حتماً لا وألف لا، والسبب بسيط، لأن القصر الجمهوري لنا، ومجلس النواب لنا، والسراي الحكومي لنا، والجيش لنا، وقوى الأمن الداخلي لنا، والوزارات لنا، والإدارات لنا، والأرض لنا، والوطن لنا، والدولة لنا، والشهداء لنا، لنا نحن اللبنانيين، فما نكاد نرفع شهيداً على أكتافنا لوداعه حتى يسقط آخر، وغالبيتهم من أركان هذه الدولة رؤساء جمهوريات ورؤساء حكومات، وزراء، نواب وضباطاً مرموقين، فكيف لنا أن نقتحم حصناً لنا؟ أو نعتدي على حُماته وهم لتوّهم قدّموا لواء ووساماً حسناً على مذبح الشهادة، فمنهم مَن ذرف الدموع حزناً، ومنهم مَن خلع قبّعته وانحنى احتراماً، ومنهم مَن أدّى التحية وداعاً … فكيف لنا؟
إلاّ أن هذا الموقف من الدولة ومؤسساتها لا يُلغي تأكيد وجوب استقالة هذه الحكومة بما نصّ عليه الدستور لأنها باتت تُعتبر امتداداً لنظام البعث السوري في لبنان، وعبئاً على الشعب اللبناني، فاقدةً أدنى مقومات البقاء، ولا تُجيد حتى البكاء على مشهدٍ يندى له الجبين ويُدمي القلوب، مشهدٌ امتزجت فيه الدماء والدموع بالركام والأطلال، وضاع معه عرق الجبين وجنى العمر، مشهدٌ هزّ الضمير العالمي برمته، ولم ينجح بهزّ جفنٍ لحكومةٍ تشرب من حليب أسدٍ شارف على فطمها لاقترابه من الجفاف ولفقدان قدرته على الاستمرار بالإرضاع.
أما بالعودة إلى الحملة المسعورة على "القوات اللبنانية" وما لهذا الانحدار من وقعٍ مؤسفٍ على "صحافةٍ صفراء" اعتادت عليه، يستحضرني قولٌ نادر لأحد الفقهاء جاء فيه: "إنّ النُباح على القمر لا يحدُّ من تألّقه ولا يرفع أصحاب الأصوات شأناً ولو بُحَت حناجرهم".
فحذار أصواتكم وحناجركم … وعُذراً من القمر … والسلام.