في مناسبتين يفصل بينهما يومان، كادت وسيلتا إعلام لبنانيتان أن ترميا عود الثقاب المشتعل في خزان الوقود الطائفي.
زعمت محطة تلفزيونية يوم السبت الماضي أن إطلاق نار أصاب حافلة تنقل ركاباً من الضاحية الجنوبية وأن قتيلاً سقط. ثم نشرت صحيفة قصة ملفقة عن شاب قال ان مسلحين قطعوا أصابعه وداسوا قلادة لسيف الامام علي بن أبي طالب في منطقة طريق الجديدة.
لم تعتذر المحطة التلفزيونية عن خبرها الكاذب الذي كاد ان يدفع الناس الى الشوارع للانتقام من القتلة، فيما اكتفت الصحيفة بتوضيح فاتر يكاد لا يمت بصلة الى أجواء التشنج التي أشاعها ما نشرت والذي ظل مدار استغلال كريه طوال النهار قبل ظهور كذب القصة. سبق الحادثتين وتلاهما فيضان من التحريض المذهبي والسياسي الصريح لتبرير اغتيال اللواء وسام الحسن.
ليست هذه المرة الأولى التي يؤدي فيها الإعلام اللبناني دوراً في تأجيج الصراعات الأهلية والسياسية. وما من شيء يقول انه عازم على الابتعاد عن الدور هذا. بل الأرجح انه سيتابع خروجه عن مهمته الأصلية في نقل وتعميم الخبر والمساهمة في صنع الرأي العام وتعزيز قيم المواطنة، نحو المزيد من الكذب السافر والانغماس في مشاريع الجهات السياسية الممولة والمحركة له. يعمل الإعلام اللبناني بمزيج من الشبق الى الخبر، على طريقة الصحف الصفراء، ومن هاجس الحشد والتعبئة بأسلوب صحف الانظمة الشمولية.
اللافت ان واحدة من المؤسستين المتورطين في الكذبتين تجهد منذ مدة في البحث عن قدر من الموضوعية، لكنها تفشل دائماً، ما يشي بسهولة اختراق «مكاتب التحرير» وجر القائمين عليها الى مهمات قد لا يوافقون عليها. فلا كفاءاتهم المتواضعة ولا ثقافتهم السياسية الشحيحة، تساعدهم على تدارك الافخاخ.
عندها يصح التساؤل عن هوية هؤلاء «الإعلاميين» الذين نالوا حق إشعال الفتن من دون أي إحساس بالمسؤولية وعن خلفياتهم الثقافية وعن المدارس والجامعات التي تعلموا فيها وعن منظومة القيم التي يضمرونها والجاعلة من تلقي اتصال من ضابط في جهاز استخبارات (رسمي او حزبي) مفخرة اليوم. ويجوز أيضاً التساؤل عن معنى انتمائهم لشعب ووطن وعن مضمون الرسالة التي ينقلونها لأبنائهم ولشباب لبنان، وعن مدى الاستعداد لتغميس ايديهم في دماء مواطنيهم بذريعة البحث المريض عن سبق صحافي لا صدقية له ولا قيمة غير اللعب على غرائز الناس.
يتعين القول هنا في أن وسائل الإعلام على جانبي الانقسام الأهلي ليست بريئة من التحريض وتبادل الاستفزاز، فتجاهل الحواجز التي أقيمت في منطقة الناعمة واعتداء الواقفين عليها وطعنهم المارة من الشيعة، فضيحة مجلجلة. لكن الدقة تقتضي، في المقابل، القول ان جهة تتحمل المسؤولية أكثر من الثانية في تعميم الابتذال والانحطاط. فنظام «الممانعة» المحتضر في سورية ومشروع رعاته المتعثر في المنطقة، والخوف من التغيير الكبير المقبل، كشفت الخواء العظيم لاتباع القوى المذكورة وعرتهم من ورقة تين المقاومة وأظهرتهم على حقيقتهم: زمرة من مروجي الأكاذيب ومزوري الأحداث، لا هم لها ولا هدف غير الفوز في معركة سياسية – إعلامية، جائزتها السلطة. حتى بات كل كلام يصدر من هؤلاء عن فلسطين، يدعو الى الرثاء.
يعيدنا ذلك الى المربع الأول. إلى الارتباط العضوي بين وسائل إعلام سطحية وبين حياة سياسية مريضة. الى التحاق الصحافة (والثقافة تالياً) بالزعامات الطائفية الدموية التحاقاً ذيلياً ذليلاً. الى مكمن الخلل في الاجتماع السياسي اللبناني المبني على العصبية المناقضة دائماً لكل شكل من اشكال المصلحة العامة.