#adsense

إغتيال الحسن: أيّ جهاز إستخباري تجاوز الخطوط الحمر؟

حجم الخط

من القواعد المعروفة في عالم الاستخبارات، أن قيام جهاز استخباري بتصفية رئيس جهاز استخباري آخر هو مسألة خاضعة لأعراف و"قوانين" محدّدة وشديدة الدقّة. وفي المبدأ، لا يلجأ جهاز إلى هذا الخيار إلّا استثنائياً. فلماذا تمّ اغتيال الرجل الأقوى في فرع المعلومات، اللواء وسام الحسن؟

يقول خبراء في الأمن: يصعب على أيّ كان، في أي مكان في العالم، أن يعتبر نفسه قادراً على الاحتماء، إذا كان هناك قرار بتصفيته، اتخذه جهاز استخبارات قوي ومحترف. وما يمكن أن يقوم به أي شخصٍ مستهدف جدِّياً، إذا كان هناك قرار باستهدافه، هو إجمالاً أن يؤخِّر التنفيذ مدة قد تطول إلى حدٍّ معيَّن، إذا التزم إجراءات احتياطية جيِّدة. لكن المحاولة مراراً وتكراراً غالباً ما تصيب الهدف… وإلّا فكيف يُفسَّر اصطياد الرجل الأقوى أمنياً في لبنان، الرجل الذي يدير أمن السياسيين والإعلاميين والروحيين والعسكر؟

لكنّ هؤلاء الخبراء يستدركون: عندما يُنفِّذ جهاز استخباري عملية استهداف على مستوى الدرجة الأولى في جهاز معيّن، فإنه يتوقع عادةً أن يَجري الردُّ عليه بتصفية في المستوى عينه أو أعلى، إذا كانت له القدرة على ذلك. ولذلك، يتهيَّب رجال الاستخبارات، وفقاً للخبراء، أن يتعرَّضوا للزملاء الخصوم أو الأعداء. وغالباً ما يخوضون معاركهم في أماكن أخرى. إنها "عداوة كار" لكنها "زمالة كار" أيضاً، وهي لعبة شديدة التعقيد. واستهدافُ القادة بين الأجهزة يُشبه استخدام المتصارعين ضربات ممنوعة في لعبة الملاكمة.

مثلاً، في 6 حزيران 1992، كان رئيس جهاز الأمن الفلسطيني الموحَّد عاطف بسيسو على موعد مع مستشار وزير الدفاع الفرنسي بيار جوكس. وحضر بسيسو من شقة سرّية للجهاز في برلين الشرقية إلى باريس لهذه الغاية. لكنّ عناصر من "الموساد" أطلقوا عليه النار أمام فندق "ميريديان" في حي "مونبارناس" فقُتل. واعتبر جهاز الاستخبارات الفرنسي أن الجهاز الإسرائيلي تجاوز الخط الأحمر على أرضه. فما كان من الاستخبارات الفرنسية إلّا أن ردَّت على العملية بتقديم معلومات إلى ياسر عرفات في تونس عن خرقٍ أمني يتعرَّض له في مقرّ إقامته. وجاء وفدٌ من الاستخبارات الفرنسية إلى العاصمة التونسية ليكشف أن "الموساد" ثبَّت آلة تسجيل في نظام الإضاءة الخاص بمكتب عرفات، ما يشكّل خطراً مؤكداً على حياة عرفات وأركانه.

القراءة الأمنية للاغتيال

في تقدير بعض الخبراء في الأمن أن الذي اتخذ قراراً باغتيال العميد الحسن يعيش في واحدة من ثلاث حالات:

1- إما انه مقتنع بعدم قدرة فرع المعلومات على كشف الجهة التي استهدفت رأسه، أو بعدم قدرته على الردِّ في حال اكتشافها. وهذا ممكن، لأن معظم الأجهزة التي ربما تكون لها مصلحة في اغتيال الحسن تَعتبر نفسها أقوى من فرع المعلومات.

2- وإما انه يردُّ على عملية تَعرَّض لها، على هذا المستوى، أي على مستوى الرأس، ولو لم يكن لفرع المعلومات علاقة بها.

3- وإما انه يلعب أوراقاً خطرة جدّاً، أي أنه يغامر في تنفيذ اغتيال على مستوى رأس الجهاز، ولو عرَّض نفسه لردٍّ على مستوى رفيع. وهذه الحال ليست عادية في العلاقات بين الأجهزة، بل هي استثنائية، ويمكن أن تعتمدها جهة معينة إذا كانت تعاني وضعا صعبا، وتبحث عن خيارات قصوى في محاولة الخروج من وضعها، على طريقة "عليَّ وعلى أعدائي يا ربّ".

أيُّ الحالات هي التي دفعت جهازاً استخبارياً إلى لعب الأوراق القصوى والخطرة في عالم الاستخبارات؟ وبالتالي، ما الذي ستقود إليه هذه العملية غير العادية في كل المقاييس؟

في تقدير البعض، أيّاً تكن الحيثيات التي تحيط باغتيال اللواء الحسن، فإن هذا الاغتيال يشكِّل إحدى علامات المرحلة المقبلة في لبنان والشرق الأوسط. فإسقاط الرأس في فرع المعلومات سيَظهر أنه رأس الجبل، وفاتحةٌ لاهتزازات وسقطات على مستوى الرؤوس في المنطقة كلها. فاللعبة بلغت هذا المستوى.

وفي هذا المعنى، لا تكون مواراة الحسن إلى جانب الرئيس رفيق الحريري تعبيراً عن الشراكة في الاستشهاد فحسب، بل تكون أيضاً تعبيراً عن الآتي: كان استهداف الرئيس الحريري علامة المرحلة الأولى من متغيِّرات كبرى تَظهر تباعاً في لبنان والمنطقة. وسيكون استهداف العميد الحسن علامة للمرحلة الثانية. ومَن يَعِشْ يرَ…!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل