(حوار إيلي كرش)
كل منا مر بتجربة خسر خلالها صديق، اخ، أب أو ام. مصيبة تحل كالصاعقة نتيجة مرض او حالة ما تجعلنا نتقبل الخسارة، لكن الصدمة الكبرى عندما تصحى باكرا وتبدأ نهارك بطبيعته المعتادة وتودع امك صاحبة الـ 42 عاماً والتي لا تزال تتمتع بشباب وصحة تعطيك أمل الحياة، أمل الغد المشرق بحنانها، تودعها صباحاً على امل لقائها المحتم المعتاد في المساء وأنت متشوق لطبقها اليومي التي تفوح منه رائحة الامومة، ولكن لم تكن هذه حالة عائلة سركيسيان التي ودعت جورجيت الأم ولم تلتقيها مساءً.
توجهت لتقديم واجب العزاء لتلك العائلة التي مصابها يعنينا كلنا، يعني لبنان كله واللبنانيين جميعاً. نعم فجورجيت أم وأخت وزوجة وصديقة كل لبناني ولبنانية وكانت لي هذه الدردشة المؤلمة مع إبنتها تريز سركيسيان فتاة الـ 20 عاما التي تتابع دراسة الـ international business and management في جامعة "سيدة اللويزة" والتي إستمدت قوتها لمتابعة مسيرة الحياة من أمها التي غابت لكنها تركت فيها الكثير من الإيمان والقيم والاخلاق.
* أعرف انك سردت قصة الحادث أكثر من ألف مرة، ولكن أرجوك أن تخبرينا تفاصيل تلك الساعة المشؤومة ليتثنى للكل معرفة حقيقة الحدث.
– حسناً (أخذت نفس عميق وتابعت) كان لدي موعد عند طبيب في ساحة ساسين قرب البنك التي تعمل به امي، وكنا قررنا مسبقا التبضع في مجمع الـ"ABC"، عند إنتهائي من زيارة الطبيب توجهت للبنك وضعت سيارتي في الموقف المخصص وجلسنا انا وأمي نتحدث ونحاول تمضية الوقت ليحن موعد إنصرافها، وفجأة حصل ما حصل. (صمتت وتجمّدت الكلمات)
*ماذا تذكرين من تلك اللحظة؟
– أذكر أن الدنيا أصبحت سوداء، عتم و سواد لم أعد أسمع بأذني. شعرت بالإحتراق كل المبنى ينهار أصوات غريبة والزجاج في كل مكان. تفقدت أمي لم أجدها وهي كانت بجانبي أصبحت مرمية على الأرض، وكأنها نائمة. حاولت أيقاظها "ماما ماما" فلم تتجاوب معي أبداً. طلبت المساعدة من إحد الأشخاص الذي حملها معي وطلبت منه القيادة ليصلنا إلى المستشفى وكانت على حرجي كل الطريق إلى أن وصلنا إلى مستشفى رزق. كنا اول الواصلين إلى المستشفى، فسارعوا إلى مساعدتنا وأسعفوفنا بما يلزم.
*كيف كان تعاطي المستشفى معكم؟
– لقد سارعوا على الفور لمساعدتنا، تجمع كل الاطباء لإنعاش الماما وبكل مسؤولية، بعد إخضاعها لعدة صور أبلغونا بأن الوضع حرج لا يمكن إجراء أي عملية جراحية بسبب كسر في الجمجمة، نزيف، ورم في الدماغ وحالتها مستعصية ودخلت بغيبوبة درجة رابعة.

*ذكرت سابقا أن الوالدة كانت على "حرجك" كل الوقت خلال طريقكم إلى المستشفى، تلفظ أنفاسها الاخيرة ربما، كيف تعاطيت مع هذا الأمر؟
– كنت بغاية الأمل والفرح اننا إستطعنا إنقاذها ونقلها إلى المستشفى بسرعة كبيرة وكنت دائما على أمل بشفائها، وكنت أقول لها أن تتحمل وتساعدنا لكي نصل الى المستشفى "روقي روقي ماما أنت سانت تريز بتحبك وهي حدك ورح تساعدك وإنت بتصليلا يلا روقي".
*أنت أيضا تضررت من الإنفجار جراء تحطم الزجاج في البنك…
احنت رأسها وتابعت البكاء من دون تعليق عن تضررها وكأنها غير آبهة لما حصل لها.
*لحظة تلقيك خبر وفاة الوالدة كنت في البيت تتأملين عودتها. كيف كان وقع الخبر عليك؟
أخبروني انها …
*ماذا فعلت ماذا قلت؟
– ماذا فعلت؟؟؟ كيف تسألني ماذا فعلت لم أعد قادرة على السيطرة على اعصابي رحت أصرخ و ابكي… هذه امي.
*على من تضعين اللوم؟
– لا احد. هذه إرادة الرب هو يريدها. فلتكن مشيئته، لا علاقة للإنفجار، هذه ساعتها وهذا وقتها.
*مستسلمة لمشيئة ألله؟
– نعم، وهي نفسها كانت دائما تقول كل شيء يحصل بإرادة الرب ولا انسى جملتها " إليي ما فيك ليه دير ألله عليه هو قادر على كل شي".
* ماذا تذكرين من أخر جلسة بينكما؟
– كنا نتحدث كأي أم و إبنتها بفرح نضحك ونتبادل الكلام.
* خرجت الوالدة ككل يوم في الصباح. خرجت ولم تعد إلى البيت ومن دون أي سابق إنذار، إنقلبت الحياة و أصبحتم من دون "ماما" كيف تقبلت هذه الخسارة؟
– كيف تقبلت؟؟… لم أستطع أن اتقبل الامر طبعا، فنحن كنا اكثر من أم و إبنتها كنا صديقتين، ولكن التعزية الكبرى أنها كانت دائماً تطلب من الله ان تموت ميتة حسنة من دون ان تتألم وتجعلنا نتألم معها وحتى من دون أن تحتاج لاحد، وهذا ما حصل. كانت أمي امرأة طيبة محبة وتساعد الكل " نيتا طيبة" و ألله يحبها.
* لا أدري إذا تسنى لك متابعة الإعلام والجرائد المواقع الإكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي كيف تعاطت مع هذا الموضوع، فهي شهيدة لبنان هكذا وصفوها هي الشهيدة التي سقطت بفعل إغتيال الشهيد اللواء الحسن ورفيقه الموأهل الأول الصهيوني، هل أنت راضية على ما ذكر؟
– أولاً أمور كثيرة ومعلومات كثيرة تم ذكرها وتداولها على مواقع التواصل الإجتماعي كانت عارية تماما عن الصحة حتى إننا لم نُستشار البتة ولم نُسأل أبدا عنما إن كنا نريد نشر المعلومات أو الصور. من أين لهم الحق بذلك فهم لا يعرفوها وليس لديهم الحق أبدا في ذلك. هناك حرمة الموت التي لم تحترم.
كما إنهم نشروا معلومات مغلوطة: لديها ثلاث أولاد: نحن إثنان انا واخي، قالوا إنها من البيرة، ليست من البيرة هي من بقعتوتة. إنها إبنة الأشرفية، ليس لها صلة بالأشرفية سوى أنها تعمل هناك، هي شهيدة لا ليست بشهيدة سياسية، فأمي كانت بعيدة كل البعد عن السياسة والتعاطي بها. عيب هذا كله مرفوض، من طلب هذا فهي كانت تكره السياسة. فكل الامور يتم إستغلالها سياسيا و للترويج السياسي دون من إحترام الموت ولا حرمته.
والمضحك المبكي، إنهم قالوا انها خرجت مسرعة بساعة الغداء لتسخين الأكل وإطعام أولادها، كيف هذا وانا إبنة الـ20 ألا استطيع تسخين طعامي، كما الوقت لم يكن وقت الغداء كنا ننوي التبضع في مجمع الـ"ABC".

*ما ردك على من قال إن الماتم والدفن كانا خجولين جداً من حيث المشاركة؟
– قيل هذا حتى إن إحدى المحطات ارسلت كاميرا والتقطت بعض المشاهد للقداس عندما إنتهى وإنصرف الناس. من منهم شارك ورأى الناس المشاركين، أنت كنت في رتبة الجناز التي اقمناها في كنيسة مار يوسف برج حمود ورايت الجموع والحشود التي شاركتنا مصابنا من الاصدقاء والاقارب وابناء الرعية مشكورين على وقفتهم النبيلة، و في بقعتوتة كان أبناء القرية بإنتظارنا على الطرق. عيب وألف عيب أن يصار إلى تأليف هذا الكلام وتضليل الناس.
وقيل إنّه لم يكن هناك تمثيل رسمي من الدولة ومؤسساتها، وهذا غير صحيح فهناك وفد رسمي مثل اللواء أشرف ريفي ونقل لنا تعازيه. كما ان العديد من النواب قدموا واجب العزاء لنا يوم الإثنين، والمضحك المبكي إن كل من يزايد في هذا الموضوع لم يتكلف حتى عناء الإتصال للعزاء والمواساة، عيب هذا بحق روح أمي.
* هل إتصل بكم أحد من الإعلاميين أصحاب المواقع الإلكترونية المطبوعات السياسية أو المحطات التلفزيونية التي تداولت صورة الوالدة و المعلومات عنها؟
– كلا انا شخصياً لم يتصل بي أحد وكذلك أبي، لكن أغلبهم زارنا يوم الإثنين للإستضاح والتصوير. ولا ادري أي سخيف إفتعل بعض ما نشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية وجعل الناس تتداول به.
*ما الذي تغير بتريز بعد هذه الحادثة الاليمة؟
– كل شيء. كل شيء تغير. هي كانت كل شيْ رفيقتي، صديقتي، أمي و أنا خسرت كل هذا.
* كيف ستستمرين وتتابعين هذه الحياة؟
لا أدري لست بحالة تسمح لي التفكير بإستمرارية الحياة لا أدري.
* أنتم عائلة من 4 أشخاص كانت تعيش بسلام وبفرح الآن أصبحتم 3، فكيف وضع العائلة؟
– من المؤكد إننا سوف نتابع الحياة كما كنا فهي كانت تحبنا هكذا نعيش بسعادة ووفاء لها سنبقى هكذا.
* ماذا تقولين للناس الذين تأثروا من وفاة جورجيت، شئنا ام أبينا هي قضت بهذا الإنفجار مما أثر سلبا على الوطن الذي تأثر بهذه الحادثة الأليمة؟
– كانت دائما تقول ألله يرى ويعرف " إللي ما فيك ليه دير ألله عليه" الصلاة هي وحدها التي تنفع لا شيء آخر لا الكلام المنمق ولا المزايدات السياسية ولا حتى الصور. أمي رحلت.
* ما تطلبين أخيراً؟
لا شيء فقط أتركونا وشأننا وإن كنتم تشعرون انكم بخطر غادروا البلاد. فهذا ليس بذنبنا.