#adsense

قداس على نية ضحايا متفجرة الأشرفية مطر: لتحصين سلمنا الأهلي حتى لا تطيح حروب المنقطة به

حجم الخط

رفعت الأشرفية الصلاة على نية شهدائها وجرحاها، في قداس دعا إليه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، أقيم في كنيسة مار يوسف – الحكمة في الأشرفية، ترأسه مطر وعاونه النائب العام لأبرشية بيروت المونسنيور جوزف مرهج والنائبان الأسقفيان المونسنيور أنطوان عساف والمونسنيور بولس عبد الساتر، وشارك فيه إلى رئيس كاريتاس الأب سيمون فضول ورئيس مدرسة الحكمة – بيروت الخوري عصام إبراهيم ولفيف من الكهنة.

حضر القداس: الوزراء نقولا صحناوي وفريج صابونجيان وغابي ليون، النواب ميشال فرعون وهاغوب بقرادونيان وسيرج طورسركيسيان وغسان مخيبر، ممثل المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي المقدم روني بيطار، ممثل رئيس حزب "القوا اللبنانية" سمير جعجع الأمين العام للحزب عماد واكيم، يمنى بشير الجميل، مسعود الأشقر، ممثلون عن بلدية بيروت، رئيس جمعية "سيدروس" للإنماء وليد أبو سليمان، عائلة الشهيدة جورجيت سركيسيان، أهالي الجرحى والمتضررون في أرزاقهم.

وبعد الإنجيل المقدس ألقى مطر عظة جاء فيها: "أيها الأحباء، مر أسبوع على الانفجار المجرم الذي وقع في أحد شوارعنا في الأشرفية، والذي استهدف رجلا من أشرف رجال الأمن في بلادنا ومن أقدرهم وهو اللواء وسام الحسن مع رفيق له هو المؤهل أول أحمد صهيوني. وقد أودى هذا الاعتداء الآثم بحياة السيدة جورجيت سركيسيان، كما أسقط عشرات الجرحى حتى أنهم تجاوزوا المئة جريح، وهدم أكثر من ستين منزلا تهديما كليا وخرب بيوتا عديدة تشرد أهلها من دون مأوى وهم على أبواب الشتاء".

أضاف: "إنها لمأساة رهيبة أصابت قلب الوطن وهزت كيان الدولة هزا خطيرا. فالمستهدف من هذا العمل الأسود كان إنسانا يقوم بواجبه في حفظ أمن البلاد والعباد. وما كان يقوم إلا بواجبه، وهو على يقين من أنه بعمله الدؤوب وسهره المضني يضمن سيادة بلده وحياة الناس فيه. فأي من هذه الأهداف السامية يستحق عقاب الموت من دون شور ولا دستور؟ أما الذين تعرضوا لشتى أنواع الإصابات في أجسادهم وفي ممتلكاتهم فما كانوا سوى أبرياء آمنين في منازلهم وفي أماكن عملهم. فأي إثم اقترفوه ليضربوا هكذا ويفقدوا بطرفة عين جنى العمر وأغلى الذكريات؟".

وقال: "غير أن هذا الإجرام لم يكن ابن ساعته. فهو من مواليد العودة إلى العنف القاتل في لبنان بعد أن عللنا النفس بسلام جديد كنا نعتقد بأن اتفاق الطائف سيجعله مرفرفا فوق البلاد والعباد. قد يكون اللبنانيون غير مسؤولين وحدهم عن هذه الانتكاسة الكبيرة، بل المنطقة المحدقة بهم بمجملها؛ وهي التي تمر بتقلبات اجتماعية وسياسية خطيرة دون أن يهتدي أهلها حتى الآن إلى سلوك طريق التغيير والتقدم عبر الحوار والتفاهم، مؤثرين الوسائل العنفية سبيلا لنقل أوطانهم إلى حالة جديدة، فتعرضوا إلى شتى أنواع المآسي".

تابع: "وقد توافق اللبنانيون بمجملهم على إبعاد وطنهم عن الصراعات الدائرة من حولهم. واتخذوا هذا الموقف باعتبار أن لبنان قد ضحى بأكثر ما يمكنه أن يضحي وعلى مدى ما يقارب الأربعين عاما من تاريخه الحديث في سبيل إرساء حياة جديدة لأبنائه، مستندا إلى قواعد وطنية ودستورية راسخة وإلى ديومقراطية تعلي موقف الكلمة فوق ما عداها من المواقف. وهم لم يختاروا هذا المنحى لتحييد البلاد عما يجري في المنطقة بقصد التنصل من إخوانهم وعدم الاكتراث لهم. بل كان خيارهم مبنيا على ضرورة إنجاح التجربة اللبنانية في العيش المشترك والمساواة بين المواطنين والحرية والكرامة المؤمنة للجميع دون استثناء، لعل هذه التجربة تقدم للدول الشقيقة أنموذجا يساعدها على حل مشاكلها العالقة وعلى تخطي ظروفها وأحوالها الصعبة".

واستدرك: "لكن الأخطار تبدو وكأنها تهدد البلاد من جديد. وهي منذ سبع سنوات ونيف تذر بقرنها عبر سلسلة من الاغتيالات الآثمة التي أودت بخيرة الرجال من قادتنا الأحباء، وعبر تراجع في بناء الدولة وفي تطوير الاقتصاد بما قد يعيدنا إلى نقطة الصفر، وإلى شيوع جو من عدم التفاهم بين القيمين على الشأن العام يهدد الدولة والكيان بأصعب العواقب. فماذا يمكننا والحالة هذه أن نفعل؟ بل ما يجب علينا فعله لإنقاذ بلادنا من محنتها الكبيرة؟".

ورأى مطر أنه "نحن فعلا أمام خيارين اثنين ولا ثالث لهما. فإما أن نحصن سلمنا الأهلي مهما كلفنا ذلك من أثمان ونصدر قيمنا الوطنية إلى دول المنطقة، بحيث تختار لها المنحى اللبناني في العيش معا وفي احترام الآخر والتعاطي السوي معه، وإما أن تطيح حروب المنقطة بسلام لبنان ويعود إلينا الحقد والانقسام بما يجلب علينا الكوارث والويلات، معتبرا أنه "لقد حان لنا أن ندرك أن الدول تعطي الأولوية لمصالحها ولا تقدم لنا الهدايا مجانا بل هي تأخذ منا ما يتيسر لها ولا تعطينا إلا بما يجدي لها نفعا".

ورأى ايضا "أننا بتنا على حالة متعسرة في تسيير شأننا الداخلي، فلا التفاهم كامل فيما بيننا ولا الاستثمارات موفرة ولا فرص العمل مؤمنة للأجيال الجديدة ولا الإدارة تتجدد من أجل خدمة الناس في مصالحها الحيوية. هذا في ما نحن بأمس الحاجة إلى ترتيب كل هذه الأمور لنضمن مصيرنا الوطني ونؤثر في مصائر الأوطان المحدقة بنا على قدر ما نستطيع. فكم نحن بحاجة إلى الإدراك بأن لبنان لن ينقذه قسم من أبنائه وحدهم، بل كل أبنائه متحدين. ذلك أن التحدي كبير والحمل الثقيل لا يرفع إلا على أكتاف الجميع. فلا يكابرن منا أحد على أحد، لأن ما من فريق يقدر على الاستغناء عن الآخر، ولا يجوز أن يكون في البلد قاهرون ومقهورون، لا بهذا الاتجاه ولا بغيره".

وقال: "إننا نسأل الله حيال الأزمة الحالية التي نمر بها وفي مواجهة مأساة فقدان اللواء وسام الحسن ومن استشهد معه وسقوط الجرحى والمتضررين، أن يوفقنا إلى التفاهم حول حكومة جديدة يلتف حولها اللبنانيون ويروا مصلحتهم فيها وفي عناصرها المختارة، وذلك برعاية وسهر من قبل فخامة رئيس الجمهورية المؤتمن على مصير البلاد، وبما تميز به من شجاعة وحكمة يعمل بهما من أجل لبنان. كما نرجو أن يتم الاتفاق سريعا على قانون الانتخاب وعلى ما يجب التفاهم حوله من أجل إتمام الاستحقاقات الدستورية الراهنة في مواعيدها. بهذا المنحى تكون دماء الشهداء غير ذاهبة هدرا بل تصبح سبيلا للتلاقي الوطني ولانطلاقة فاعلة للبنان في رسالته لدى أهله ولدى منطقته على السواء. ولندرك مرة أخيرة أن لبنان ملزم بأن يتعافى ويستقيم ليستطيع القيام بدوره ورسالته، وإلا سقط الدور من يده وضاعت الرسالة".

تابع: "وفي ما يعود للأشرفية العزيزة، كما لكل منطقة من مناطق الوطن، فإننا مدعوون إلى وحدة في القلوب من أجلها ومن أجل الوطن كله، وإلى التكامل أيضا في الآراء وفي اختيار الوسائل، ونحن في الكنيسة معكم معنويا وماديا لكل تعاون وكل مؤازرة. فلا يغمض لأحد منا جفن قبل أن يتم التعويض على جميع المتضررين ليعودوا إلى بيوتهم بأسرع وقت ما يمكن، ويرفع عنهم الظلم الذي ألحق بهم كل هذا الأذى. ولتكن خدمتنا عن محبة وتضامن صادقين من أجل الوطن الذي نحن فيه أخوة وأهل".

أضاف: "أما التنافس بالصالحات فهو أمر حميد يوصي به بولس الرسول كما يوصي أيضا بأن يحمل بعضنا أثقال بعض. فإذا ما ذكرنا الله في كل حين صلحت أمورنا وخرجنا من النفق المظلم الذي حشرتنا فيه لعبة الأمم. ولا ننسى أن حضارتنا هي حضارة الحرية الضامنة لكرامة الإنسان وحقوقه، كما هي أيضا حضارة المحبة التي هي جوهر الحياة. فإلى هذه الحضارة نرتكز من أجل القيام بكل عمل صالح، على مستوى الحي والمدينة وعلى مستوى الوطن والمنطقة والعالم. وبهذه الروح نحيا جميعنا ويكون لنا غد إنساني مشرق".

وختم بالقول: "وفي مناسبة عيد الأضحى المبارك، نتقدم وإياكم من أبناء وطننا المسلمين بأحر الأمنيات راجين المولى أن يرفع عنا كل شدة وأن يعيد الأعياد علينا بالفرح لا بالحزن وبالسلام في القلوب وفي الربوع. وليقبل الله، أيها الأحباء، صلاة نقدمها وإياكم سائلين الرحمة لشهدائنا الأبرار والشفاء العاجل لجرحانا الأعزاء، والعودة السريعة للمنكوبين إلى بيوتهم، والتفاهم بين اللبنانيين على مصيرهم الواحد وعلى خدمة وطنهم الخدمة الإنقاذية الفضلى، وليسكب عليكم في هذه الظروف العصيبة وفي كل الظروف فيضا سخيا من نعمه وبركاته. آمين".

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل