في إطار النقاش السياسي المتواصل داخل أروقة 14 آذار هناك وجهة نظر تقول بأن التصويب على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان خطأ، فيما المطلوب كان استمالته وتحييده لدفعه إلى الاستقالة لا حشره واستفزازه، وهذا تحديدا ما أكده ميقاتي بأن استقالته كانت ممكنة قبل تحميله دم الشهيد وسام الحسن.
لا تنطلق هذه المقاربة من عدم، بل تأخذ في الاعتبار المشروعية التي انتزعها رئيس الحكومة لدى دوائر القرار الخارجية عبر التزامه القرارات الدولية وفي طليعتها المحكمة وتمويلها، فضلا عن اتخاذه جملة مواقف كان آخرها إدانته إرسال "الطائرة" إلى إسرائيل واشتراطه التوافق الوطني على أي خطوة من هذا النوع، وربطه اغتيال الحسن بملف سماحة-المملوك في اتهام ضمني للنظام السوري بقتله. وتخلص هذه المقاربة إلى القول إنه كان من الأجدى تحميل كامل المسؤولية عن الجريمة للحكومة والبحث مع رئيسي الجمهورية ميشال سليمان وميقاتي في خطوة الاستقالة والشروع بتشكيل حكومة من وسطيين.
قد يكون ما تَقدّم صحيحاً في الشكل، ولكن في المضمون الأمور مختلفة تماما:
أولا، لا تستطيع المعارضة الرهان على "النوايا الطيبة" لرئيس الحكومة، فيما هي متأكدة بأنه لن يتجرّأ على الاستقالة، خصوصاً أن هذه الخطوة لا تتطلب تشاوراً بل إقداماً في لحظة مفصلية من حياة الوطن. ولو كان صحيحاً بأنه كان في وارد الاستقالة، فقد جاء اغتيال الحسن ليمنحه "الفرصة" للخروج من تحت هيمنة "حزب الله" وفتح الباب أمام إعادة تصحيح الخلل في التوازن، ولكنه لم يكن ولا لحظة في هذا الوارد كونه لن يقدم على أي خطوة إلا بإذن من "حارة حريك"، لا وبل سيواصل الدور المكلّف به والمنسق مع الحزب عبر إظهار التمايز عنه في خطة مدروسة هدفها تظليل الحكومة بالشرعية الدولية التي تمكنها من الاستمرارية، ولا حاجة للتذكير بأن بقاء هذه الحكومة يشكل هدفا مركزياً للحزب.
ثانيا، من لديه النية الفعلية للاستقالة لا يسأل عن موقف من هنا وهناك للتذرع بالعدول عن خطوته، إنما يُقدم على ما يتناسب مع قناعاته بمعزل عن محاولة استثمار هذا الفريق أو استياء الفريق الآخر. فالرئيس ميقاتي، على حد قول الوزير السباق جان عبيد، ليس "أكثر براءة أو كرامة من الرئيس عمر كرامي عندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فاختار بكرامته واستقالته أن يفتح للبلاد باباً تلج عبره من الفتنة الى السياسة".
ثالثا، لا تستطيع المعارضة السماح بتفويت اللحظة السياسية أو الـ"momentum" المتمثل بالاغتيال، خصوصاً أن كل هدف الحكومة التي تغطي الاغتيالات امتصاص النقمة عبر الكلام الفارغ عن "الإدانة الشكليّة وانتظار التحقيقات والتضامن الوطني وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن لبنان"، وذلك من أجل إعادة الحياة إلى طبيعتها وكأنّ شيئاً لم يكن.
رابعاً، إن ما صدر عن 14 آذار من مواقف قبل التشييع وبعده هو أقل الإيمان والسقف الأدنى الممكن، خصوصا أن القاصي والداني يعلمان أن الرأي العام الاستقلالي اعتبر أن قيادته متخاذلة في ظل الطروحات المطالبة بالتسلّح والأمن الذاتي لمواجهة آلة القتل التي لا يمكن مواجهتها، وفق قسم من هذا الرأي العام، بتشكيل حكومة وإجراء انتخابات…
خامساً، لا يمكن إسقاط الحكومة، في ظل التمسك الأعمى لـ"حزب الله" بها، إلا بواسطة الضغط على رئيسها انطلاقاً من مستويات ثلاثة: الشارع وتحديداً في طرابلس، الموقف السعودي والموقف الدولي. وهذا تحديداً ما يتم التركيز عليه اليوم. وإذا كانت المشكلة الفعلية أعمق من الحكومة وتتجسد بسلاح الحزب ودوره وآلة القتل التي تسرح وتمرح في البلاد، فإن الرد على اغتيال الحسن يجب أن يبدأ من مكان معين، وهذا المكان هو الحكومة كهدف متاح التحقيق في الوضع السياسي الحالي.
لم تخطئ 14 آذار إطلاقاً بالتصويب على ميقاتي، فهو في نهاية المطاف جزء من "عدة شغل" "حزب الله" أو ماكينته، واختياره تم انطلاقاً من مواصفاته والدور الذي يمكن أن يؤديه لتخفيف الضغط على الحزب إبان إمساكه بمفاصل السلطة في لبنان. فالدور الذي يقوم به ميقاتي بهذا المعنى أخطر من دور "حزب الله" نفسه، لأن هوية الحزب معروفة، فيما رئيس الحكومة يحاول الظهور شكلاً بمظهر يختلف عن جوهر وظيفته ودوره.
