كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
في خضمّ السجال الدائر حول أسباب التأخير في بت عملية اقتراع اللبنانيين المقيمين في الخارج، ومشاركتهم في الانتخابات النيابية المقبلة، تكثر التساؤلات عن أسباب التباين بين أرقام وزارة الخارجية والأرقام الحقيقية للبنانيين الذين سَجّلوا أسماءهم للاقتراع، في ضوء ما نشرته الوزارة أخيراً، وذلك بعد سنتين من العمل مع سفارات لبنان في الخارج، فتبيّن أنّ نحو 3000 شخص فقط سَجّلوا أسماءهم، في حين يحق لـمليون مغترب الاقتراع.
انطلاقاً من هذه الأرقام، فإن مليون مغترب لبناني فقط من أصل 14 مليون يمكنهم أن يقترعوا في الدورة الانتخابية المقبلة، ما يعيد إلى طاولة البحث ملف الهجرة اللبنانية القديمة. إذ حُرم المغتربون من الجنسية، على رغم المحاولات التي قاموا بها للإفادة من الاتفاقيات الموقّعة التي منحتهم هذا الحق، في ما لم تُمَثّل لبنان أي بعثات ديبلوماسية أو قنصلية في بلدان الانتشار ليتمكنوا من تثبيت جنسيتهم.
ومن المعلوم أن النائب نعمة الله أبي نصر كان فد قدّم اقتراحاً العام 2004 نصّ على اعتماد العديد من وسائل إثبات الأصول اللبنانية لإفساح الفرصة أمام المغتربين كي يستحصلوا على الجنسية. وقد توصلت لجنة الإدارة والعدل إلى اعتماد صيغة جديدة، جرى إثرها الاستناد إلى سجلات إحصاء العام 1921 والسجلات اللاحقة له، على أن تُعتمد كوسائل إثبات الوثائق الرسمية الصادرة عن الإدارة أو القضاء في البلد، حيث يقيم المغترب أو القيود في سجلات الطوائف الدينية.
وبعدما أحيل المشروع إلى لجنة الدفاع الوطني، طالب الوزير سمير الجسر بإرسال الاقتراح بموجب مشروع قانون من الحكومة سنداً إلى المادة 65 من الدستور، كون قانون الجنسية وقوانين الأحوال الشخصية من الموضوعات الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة. وقد أبدى الجسر في حينها معارضته على اعتماد صيغة إثبات لبنانية أي شخص قبل عام 1920، كما رأى أنه لا يجوز اعتماد سجلات الطوائف والأحكام الصادرة في البلاد حيث يقيم المغترب كوسيلة إثبات، ما أثار تململاً لدى المراجع المسيحية التي اعتبرت أن عرقلة اقتراح القانون ذات أهداف سياسية، فبقي الاقتراح يراوح مكانه حتى بعدما قدّمته الحكومة في ذلك الوقت بموجب اقتراح قانون.
وبهدف إعادة تحريك الاقتراح المذكور في المجلس النيابي، وفي خضمّ السجال الدائر حول حق المغتربين في الاقتراع، بادر عضو مكتب مجلس أمناء المؤسسة المارونية للانتشار المحامي لوران عون إلى الاتصال بالجسر لإزالة الالتباس القائم حول الاقتراح، ثم دعا إلى عقد لقاء في منزله يجمع رئيس المؤسسة المارونية للانتشار الوزير ميشال إده وبعض أركان المؤسسة مع الجسر لعرض ملاحظاته على البند المذكور في المادة 65 من الدستور، والذي وُضع كما أكد الجسر للمجتمعين في اتفاق الطائف (بناء على طلب المسيحيين). وقد توافق المجتمعون على صيغة حول وسائل إثبات الجنسية للمغترب، شرط أن يكون مدرجاً في سجلات الإحصاء التي أُجريت بعد إعلان دولة لبنان الكبير، ومن دون الحاجة لأن يقيم طالب استعادة الجنسية ثلاثة أشهر في لبنان.
مصادر مواكبة لهذا الملف رأت وجوب الإسراع في حلّ هذه الإشكالية، ومنح المغتربين الذين فقدوا الجنسية اللبنانية، مجدداً حقهم في الحصول على جنسية بلدهم الأم، ذلك أن التجارب أثبتت أن ملايين المغتربين (غير المجنّسين) شكّلوا طيلة سنوات الحرب خطّ الحماية للاقتصاد اللبناني، لأن التحويلات الماليّة التي كانوا يرسلونها إلى لبنان، ومن دون أي التزامات مقابلة، قد ساهمت في الحفاظ على الوضع المالي وفي دعم الليرة اللبنانية، خصوصاً أنّها فاقت في العام الماضي حدود الـ 7 مليارات دولار.
وخلصت المصادر إلى التساؤل: هل يجوز في بلد تفوق فيه تحويلات المغتربين نسبة الـ 22 في المئة من الناتج المحلي، أن يبقى هؤلاء محرومين من أبسط حقوقهم في بلدهم الأم؟