#dfp #adsense

دولة الإغتيالات

حجم الخط

لنسلّم جدلاً أنّ لبنان الوطن ليس موجودا، وأنّ كلّ الحوادث التي مرّ بها لم تحصل، وأنّ مكوّناته اجتمعت من جديد لتؤلّف نسيجاً ينفلش في عيش مشترك على مساحة إطلق عليها إسم لبنان. وقد طرح على المجتمعين المنتظمين سؤال وحيد: ماذا تريدون؟، فهل يمكن أن يكون الجواب البديهي غير: نريد دولة. وهذا يعني: نريد كياناً سياديّاً يمارس السلطة عبر منظومة من المؤسّسات الشرعيّة التي تشكّل أداة السيطرة الوحيدة أو "العنف الشّرعي" الذي يلزم المواطنين الخضوع لقوانين تعتبر كلّ فرد قيمة عليا ومعيارا أسمى للوطن.

إنّ السّبب الأوّل لمطلب الدّولة هو العقد الإجتماعي الذي يستحيل من دونه مأسسة كيان سيادي يتقبّل أعضاؤه طاعة النّظام وحفظ الإستقرار، ما يعني حماية المجتمع من الفوضى التي تفرغ الدولة من مضمونها، وتفسح في المجال أمام مجموعات تتناتش السلطة، وتفرض سيطرتها بالقوّة، لتشلّع بذلك الكيان الواحد وتنذر بزواله. ولمّا كانت الدّولة الضّامن الأوحد لكرامة الفرد ولتعميم العدالة على الجماعة ولحماية الحريّات والأمن، فلماذا القبول بأقلّ من ذلك، أي العبور الى قوانين الشّهوة والخوف والتغلّب والبطش.

يقودنا هذا التمييز الى الحديث عن الدولة بين الحقّ والعنف، والحقّ هو نقيض العنف، إذ يمارس الأوّل بإرادة الأفراد ضامناً لهم حريّاتهم، في حين يمارس الثّاني ضدّ إرادتهم وغاصباً إيّاهم تلك الحريّات. يقول "ماكس فيبر": للدولة وحدها الحقّ في ممارسة العنف المادّي في حال الّلزوم وبشكل معقلن، وهذا يعني أن لا حقّ لإحد به، غير الدولة. من هنا ينبغي خلق خيبة أمل لدى ممارسي العنف بهدف الهيمنة، وذلك بمقاومة أخلاقيّة وبمطالبة حثيثة بالدولة.

إنّ حالة التمدّن تعني سيادة القانون الضّامن للسّلم، الحافظ حماية النّاس من الطغيان والمؤكّد على المساواة للجميع. وهذا مطلب اللاّهمجيّين غير المنزلقين في مؤامرة تقويض أجهزة الحكم وتفكيك مقوّمات الدولة تمهيداً للإستيلاء عليها. ما نشهده اليوم هو دولة الإغتيالات، ليس بقصد الإلغاء الجسدي، بل لإلغاء الدولة والوطن. إنّ التراكم الكمّي للقتل المتعمّد على خلفيّات سياسيّة ليس سوى ممارسة منهجيّة للعنف المنظّم أو الإرهاب المنظّم، وهو إجرام مسبوق بالتخطيط ومرتبط بخطاب سياسي إتّهاميّ تحريضيّ يمهّد لارتكاب الجرم. الخطورة لا تقف عند اغتيال الذّات المستهدفة، وهو أمر مستنكر، بل تتخطّاه الى اغتيال الحريّات والقضاء على سلطة الدولة بشكل تدريجيّ. والأدهى، أمام إزهاق الكيان عن سابق تصميم، انخراط سياسيّين وقياديّين ومسؤولين حكوميّين في تبرير فعل القتل أو تمويهه أو اعتباره حادثاً أمنيّاً، وهذا ما لا يمكن تصنيفه إلاّ في خانة التآمر على سلامة الدولة ومواطنيها، بل هو تواطؤ مشهود مع المجرمين.

والحال، إنّ الخطوات الأساسيّة لمسيرة الوقوف في وجه المخطّط الإلغائي تكمن في رشد سياسيّ يهدف الى حماية الدولة وتحصينها لئلاّ تتّجه نحو التصدّع والإنهيار، وفي استعداد عمليّ وتنظيميّ للمناضلين من أجل الدولة والحريّة، لاستنهاض الناس بالخطاب وبالسّلوك، لإسقاط مشروع الإستبداد وثقافة الحقد والموت. لذلك، كفانا نرافق أكفاناً من دون جثث.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل