على شاكلة القول القائل، ان السلاح يُسلّم إلى الدولة عندما تصير دولة، تُطرح اليوم المعادلة القائلة ان الحكومة تستقيل عندما يتم التوافق على البديل منها.
وفي ذلك تعجيز لا يرقى إلى ذلك الموجود في المقولة الأولى لكنه يتممها. خصوصاً ان القائلين بذلك يبدون كمن يعلك الهواء عندما يشيرون إلى أن 14 آذار تقاتل ميقاتي وتدعو إلى إسقاط الحكومة إنطلاقاً من حيثيات ذاتية تتعلق بأشخاص أو طموحات أو "ثارات". غافلين أو مُغفِلين بداية، المعطى البديهي الذي لا يقبل أن يتعامى عنه إلاّ صاحب غرض أو الذي فيه مرض، والقائل ان ميقاتي انتهى سياسياً مهما طال أوان ذلك الانتهاء.
ورغم وجود ما يكفي من أسباب ودوافع ذاتية لمخاصمة ميقاتي وخِصاله وارتكاباته، فإن الموقف منه لا يتصل بشخصه إنما بدوره: حكومة "حزب الله" برئاسته كسرت نزاعاً سياسياً كان لا يزال مقبولاً قبلها. وحوّلت ذلك النزاع إلى حرب أهلية باردة تتخللها محطات دموية متفرقة، آخرها وأعنفها وأقساها جريمة اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن في الأشرفية.. حرب ليست مقطوعة عن سياقها التأسيسي الذي بُني جريمة تلو جريمة وغزوة تلو غزوة على مدى السنوات الماضية. والتي تحصّن فيها، الطرف المدجج بالسلاح، خلف سلاحه لابتزاز اللبنانيين في كل شيء. وفي كل شاردة سياسية وواردة حكومية وقضائية محلية ودولية.
المشروع الممانع الذي يرعى الحكومة، يرعى تحوّل تلك الحرب الباردة، مرة أخرى، إلى المدارات الملتهبة. من يتعامى عن ذلك قاصر أو خبيث أو مشارك في ذلك المسعى. وقصّة الاستقرار بهذا المعنى تشبه قصة "المقاومة" ذاتها. تحت ستارها تُبنى مداميك نفوذ فئوي عابر للحدود، مربوط بالتاريخ والماضي، ومغلّف بشوفينية قومية.. وتحت ستار الاستقرار، يجري التأسيس وبدأب وإصرار، لحالة احترابية يفترض أصحابها انها مُربحة لهم.. فعلوا ذلك في العراق وفازوا بالحكم والتحكّم، ويفعلون ذلك في سوريا لمحاولة الابقاء على الحكم والتحكّم. ويحاولون ذلك في لبنان لإدامة الحكم وإحكام التحكّم.. وفعلوا ذلك، أو حاولوه، في الساحة الفلسطينية وفي اليمن. اذ ان طموحات النفوذ والسيطرة لا تركب في أجواء تعايشية باردة، وجغرافية سياسية مضبوطة، وكيان دستوري واضح، ودولة قائمة بمؤسساتها مهما كانت عليلة.. لا بد من تكسير كل تلك الأسس، والزرع في أرضها بديلاً منها، وأينما أمكن وبأي أسلوب ومهما كانت الشراسة والدماء المسفوكة.
حكومة "حزب الله" برئاسة مسيو ميقاتي جزء من ذلك المشروع الكبير بغضّ النظر عن التمايزات والتفلّتات، والتي ما كان بالإمكان التسامح معها، لو كانت تؤثر بالعمق وبالفعل في اليدين الماسكتين بالرقبة. من تمويل المحكمة.. إلى "حماية" الثلاثي ميرزا وريفي والشهيد الحسن. في اللحظة المناسبة لكل واحد منهم "علاج": السيارة المفخخة تسريع للزمن ومصادرة للأقدار وحل بديل عن قصّة التقاعد التي طالت المدّعي العام وستطال قريباً المدير العام! وليبع ميقاتي بطولات وهمية قدر ما يشاء!
تحت ستار المحافظة على الاستقرار، يبني أهل الممانعة مشروعهم الاحترابي الاستحواذي "الخلاصي". وذلك من شروطه، أن ترعى هذه الحكومة كل الطرق المؤدية إلى ذلك الحقل الدموي من خلال تسعير المواجهة السياسية المفتوحة، وتشتيت قوى الخصم في أرضه وتفتيت ساحته، ثم إعطاء القوى المتطرّفة ما يساعدها على النمو!
من أجل الاستقرار ومن أجل لبنان، على حكومة مشروع الحرب أن ترحل اليوم قبل الغد!