"أحلم حلم المستحيل حاملاً آلام السفر
أحترق في حمى الجنون أبحر فيها الى الخطر
مغامراً دون دروع أو سلاح في وجه القدر"
(جاك بريل)
عالم المخابرات السفلي
عندما أتذكر عالم المخابرات ورجالاته تخطر ببالي صورة العالم السفلي وأساطيره التي تحدثت عنها ثقافات وأديان متعددة. لقد عشت طفولتي وأنا أخاف وحوش وجلاّدي هذا العالم وآلات تعذيبه، وكنت دائماً أتخيل سماع عويل الضحايا وهم يطلبون الرأفة فيزداد الجلادون سادية ليزداد عويل الضحايا، وأنا أحاول عبثاً سد أذني غامراً رأسي باللحاف، مع أنني أتصبب عرقاً، علني أتمكن من النوم.
صورة عالم المخابرات بالنسبة لي هي صورة هينريك هملر يسوق مئات الآلاف من اليهود الى المحرقة إرضاء لزعيمه هتلر، أو صورة لافرنتي بافلوفتش باريا يسوق ملايين الروس الى حتفهم أو الى "الغولاغ" (معسكرات العمل القسري) فداء لسادية جوزف ستالين، أو محمد أوفقير يتآمر مع "الموساد" لاغتيال المهدي بن بركة ليريح الحسن الثاني من وقاحة المعارضين، وصورة رفعت الأسد يدفن أهل حماة سنة 1982 تحت الركام ليبني مجده ومجد أخيه حافظ على ثلاثين ألف جثة، وصورة آصف شوكت جزار سوريا ولبنان لتثبيت حكم بشار الأسد، وصورة جميل السيد جلاد عهد اميل لحود.
صورهم في مخيلتي وجوه صفرٌ وقلوب سودٌ وأظافر مروسة تجمع تحتها الدم المتخثر وأرواح نجسة سلّمت نفسها للشيطان.
تضييع الجريمة المقصود
رجل واحد تمكن من أن يقنعني بأن في العالم السفلي هناك بشر بقلوب بيضٍ وأرواح نقية يتجنبون الدخول في لعبة الدم، مهمتهم منع وحوش العالم السفلي من الخروج من أوكارها الى عالم البشر.
لا أذكر اليوم من وسام إلا وجهه البشوش وابتسامته العفوية المقتضبة ونبرة صوته الهادئة واللياقة والاحترام في حديثه. وأذكره أيضاً يبكي كطفل في أحد المهرجانات الانتخابية في الضنية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عندما شاهد الحشود قائلاً: "أمن الضروري أن يقتل رفيق الحريري حتى نعرف محبة الناس له؟!".
لن أسترسل هنا في النفاق حول دور وسام الحسن في كشف شبكات التجسس الاسرائيلية، وبالتالي المشاركة في حفلة تضييع الاتهام في قضية اغتياله، فليس فرع المعلومات وحده من اكتشف شبكات التجسس، فهناك انجازات لفروع لبنانية استخباراتية أخرى، ولكن لم أسمع بأن رؤوس الأجهزة الأخرى هددوا يوماً من اسرائيل لكن المؤكد هو أن شعبة المعلومات هي وحدها التي لاحقت قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعاونت مع لجنة التحقيق الدولية واكتشفت المكونات التي أدت الى اتهام أربعة من كوادر "حزب الله"، كان الشهيد وسام عيد بطل تلك المرحلة وعندما تم تصيده لم يكن يومها يلاحق شبكات اسرائيلية.
واليوم لا داعي لتكرار دور الشهيد وسام الحسن في كشف شبكة من شبكات النظام السوري الارهابية التي كان أداتها التافهة ميشال سماحة، هذا بالاضافة الى دوره الدائم في احباط مخططات التخريب الأخرى المعروفة وغير المعروفة لأتباع النظامين السوري والايراني في لبنان. قد يكون صحيحاً ومرجحاً أن مخطط اغتياله كان دائماً في الحسبان، وحتى قبل اكتشاف "مشاريع" ميشال سماحة، ولكن من المؤكد أن فضح هذا المخطط عجّل بقرار اغتياله ليس فقط انتقاماً منه، ولكن في الوقت نفسه، والأهم، للقضاء نهائياً على عين كانت تراقب عالم الممانعة السفلي.
هذا يعني منطقياً أن هذه العملية قد تكون مقدمة لسلسلة من عمليات التخريب والإرهاب…
وسام الحسن وحزب الدولة
لم يكن يسعى وسام الحسن في حياته الى دعم غلبة فريق سياسي على آخر، ولكن كون قوى 14 آذار تسعى الى سيادة الدولة فقد كانت في صف واحد معه. وبما أن واجب رجل الأمن حماية المواطنين، فقد وجد نفسه بشكل تلقائي مدافعاً عن الفريق الذي تلاحقه الاغتيالات، فصنفته عندها جماعة سوريا وإيران في خانة أعدائها فهوجم وهدد بالقتل و"التفحم" علناً وجهاراً من قبل جنرالات من سفهاء 8 آذار الكثر.
ومع ذلك فلم نسمع يوماً رداً منه على سفّاهه، أو سعياً الى انتقام، عدا عن عتاب لطيف حتى مع أسفه شتّاميه، فكنا نظنه أنه جزء من عدة الشغل في موقعه، ولكن الحقيقة هي أن طبعه أصلاً لا يعرف الحقد.
في عز المواجهة مع حزب الله كان دائماً يسعى الى وضع خطوط حمر لهذه المواجهة حتى لا تتخطى حدود السجال السياسي، فكان يبقي على قنوات الاتصال مفتوحة "حتى يبقى للصلح مكان".
وسام الحسن شهيد السلام الذي سعى اليه في حياته، شهيد فكرة هي أن الوحوش يمكن ترويضها، شهيد واقع أن العالم السفلي حقيقة سعى الى درء شرها، فاختار أن يكون في مقدمة الصفوف ليحمي البشر ويحمي السلام، ناثراً جسده ليعانق شوارع بيروت ليودع كل منا نحن من كان يحمينا. وسام الحسن ذهب ونحن في عز الحاجة إليه, فهناك وحوش تفلتت من العالم السفلي تأمر وتنهي من أقبية عفنة، فتقتل الآلاف وتدمر الأرزاق خدمة لإله زائف اسمه المقاومة والممانعة.