#dfp #adsense

تلة الأشرفية جلجلة قيامة

حجم الخط

الحجارة تتساقط على اسطفانوس من أيدي الذين عرّوه ليرجموه. حتى وهو تحت الحجارة المنهالة عليه كان يردد: أرى السماء مفتوحة ووجهه بهي كوجه ملاك.

السماء مفتوحة فوق الأشرفية ووجه جنيفر الممزق المدمّى تنفتح له السماء رحمة، ولجسد جورجيت نعمة، واللواء وسام الحسن والمؤهل أحمد الصهيوني ولجميع من يمزقهم الموت والدمار. جميع الأبرار والصدّيقين في الأشرفية صار لهم المذبح، الشارع الصغير، حيث يسلك أبرياء القلوب. والبخور فاح من دموعهم وأجسادهم المثخنة بالجراح. الشموع، وجع قلوب مضاءة بالإيمان وخوف الله. وحدهم هناك أقلية الأبرياء تقاوم الوحش الهاجم عليهم، تنين الموت والحقد والكراهية برؤوسه الباعثة لهيباً ودماراً كما في كتاب "الرؤيا". كأن ملائكة السماء تأخرت عن وقت الخدمة الإلهية، فحملت جورجيت قهوتها و"أتت مسرعة" كما النساء في إنجيل القيامة. وجنيفر لبست براءتها ومريول مدرستها الجميل وطفولتها وركضت. واللواء وسام والمؤهل أحمد حملا كتاب القراءة في خدمة البطولة والشرف والتضحية والأمانة والحماية. الجميع هناك ينشدون للحب والسلام للوطن ولأهله.

الملائكة القائمة على خدمة الله تأخرت على غير عادتها وهي تخفي وجهها بجناحين وأجسادها بجناحين، والناس هناك تحميها بجناحين، وجوزيان تحاول رفع القربان جسد اختها المليء بالدم والجراح، وهي هكذا كالبطلة "جان دارك" بالرغم من سقوط خزانة الخشب وحجارة المنزل وتناثر الزجاج، هي تسمع صوت الله يدعوها لإنقاذ الوطن في اختها، اختها أصبحت الوطن وكل من جُرح في الشارع صار صليباً ممدوداً من الأشرفية إلى جميع جوانب الأرض. تلة الأشرفية، جلجلة قيامة، تحمي براءة الأطفال و"آدمية" الناس الأبرياء المعمّدين بالحب والتقوى. وهلع الملائكة الحرّاس من هول الفاجعة، فحجبوا وجوههم من فظاعة الجلجلة القائمة في بيوت ومحال وشوارع وقلوب أهل الأشرفية ومستشفياتها ومعها كل المنقذين، الصليب الأحمر، الدفاع المدني، الإطفاء، وسواهم من جيش وقوى أمن.

جوزيان صارت "الأخت الحزينة". صارت كل بيروت. تحاول رفع جسد اختها وابن خالها وهي تقول "رفعت عيني إلى السماء من حيث يأتي عوني، معونتي من عند الرب صانع السموات والأرض. لا يدع رجلي تزل، لا ينعس، لا ينام، يحفظني الرب من كل سوء، لا تؤذيني الشمس في النهار ولا القمر في الليل. يحفظ الرب ذهابي وإيابي. من الآن وإلى الأبد". يحفظ اختي وأهلي ووطني وكل من حولي في شارع الموت والدمار كأن ساعة القيامة قد حلت هناك. الجلجلة هناك، فتزلزلت الأرض والبيوت والمحال، وأجساد الناس تشلعت ونزفت دماً وماء. لكن الله قلب منطق الأشياء وحوّل اللامعقول معقولاً والموت حياة واليأس رجاء والخوف تحليقاً بأجنحة من نور وبهاء ورجاء، ومريول مدرسة جنيفر المزيّن بالورد والإقحوان ارتفع كوشاح "السيدة الحامية". "السيدة الحامية" راية الظفر على الموت والشر.

تصبح هي الضحية، للفداء والرحمة. تحملها جوزيان، تقول: اللهم تقبل قربانك، خذ هذا القربان من يدي الصغيرتين. وأنقذت جوزيان اختها وابن خالها وهناك في المستشفيات، أكمل الأطباء والممرضات عمل "العناية الإلهية" في العناية الفائقة.

على تلة الأشرفية كُسرت عظامنا فصارت شجرة حياة تحت كسر الزجاج، وغسلت دماؤنا الخطايا والحقد والبغض من قلوب الآخرين.

لأن صلاتنا على صليبنا أقوى من مسامير جلادينا: "اغفر لهم يا ابتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"! "القديسة الصغيرة" رافقت البطل الشهيد وسام الحسن تسأله أين وضع كل أشلاء جسده ومعه رفيقه أحمد صهيوني، كيف وصل إلى أمام الله ولا جسد معه. الأعجوبة رافقت جميع من كان في المحال والدكاكين والمكتبات والمكاتب وعلى الطرقات… الطرقات النائحة كطرق أورشليم ليلة الجلجلة الحزينة. "المرافقة البطولية" كما في العصور الوسطى وغمرت كل القلوب من شهداء ومجرمين ومنقذين وهم يصلون "اللهم اجعل حظي مع الضحايا وليس مع الجلادين". الأشرفية الأبيّة البهية تصرخ "أنا الأم الحزينة". الملائكة الحارسة حجبت وجهها لأنها تأخرت عن رفع القربان فقدم أهل الأشرفية قربان أجسادهم وجنى عمرهم عوضاً عنها: خذ "هذا القربان من يدي وأرض عنا".

ولأن الملائكة الذين هم من نار، نسوا ان يأتوا بالخبز ليصير قرباناً، قدمنا لحمنا خبزاً بدلاً عنهم ودمنا خمراً. لأن الحياة عندك وأنت القيامة. وأضأنا أيدينا شموعاً مرفوعة إلى السماء كصلاة المساء. يصلبني صوتك: "اغفر لهم يا أبت لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".

وفي جنبي الف رمح وحربة ومن جسدي يسيل دم وماء.
وعلى الكون يضج صوتك: "قايين قايين أين أخيك"؟ إن دم أخيك يصرخ إليّ، إلى السماء. وكانت "عين الرب" تلاحق قايين (قصيدة فيكتور هيغو) وهو يقول: "لي النقمة وأنا اجازي كما يقول بولس وإن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فاسقه فإنك تسكب ناراً على رأسه".

من أناشيد الآلام والحزن أرنم لك وجعي، مررت في الأشرفية ورأيت صلباناً تشع نوراً وبهاء وقيامة. وأعين الأحياء "تهادت وللدمع في "مقلتيها" بريق.
صليبنا نحن مغروس في "القبر الفارغ" كما في أيقونة انجيل رابولا. فنحن لحظة موتنا هي لحظة قيامتنا قيامة المسيح ضمان قيامتنا. وأنا عندي رجاء ان الربيع قادم والحياة آتية. ونردد ما قاله الملاك نحن أحياء فلا تطلبوا الأحياء بين الأموات. الموت عندنا حياة وجلجلتنا هي قيامة الوطن فلا نطلب الحي بين الأموات. استنيري! استنيري يا أشرفية، يا أورشليم الجديدة، لأن مجد الرب أشرق في أوجاعك! وهي فداء عنا وعن وطننا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل