اللبنانيّون الذين تابعوا مقابلة رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، على شاشة «المؤسّسة اللبنانية للإرسال» لاحظوا في وضوح أنّ «الرجل» بدا قلقاً في مجمل محاور الحوار وخائفاً من تداعيات الأزمة السورية وانعكاساتها الآتية على لبنان والمنطقة.
فقد دعا جنبلاط قوى 14" آذار" إلى الحكمة والتروّي في ردّة فعلهم على اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن ورفاقه، متناسياً أنّ هذه القوى تلقّت ولا تزال تتلقّى الضربات الواحدة تِلوَ الأخرى منذ نهاية العام 2004، أي منذ محاولة اغتيال رفيق دربه النائب مروان حمادة، ثم اغتيال حليفه الأقوى في حينه وصديقه الكبير الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتباعاً سائر شهداء "ثورة الأرز"، التي كان هو الأساس في حمل مشعلها منذ وقوفه في "قصر قريطم" إلى جانب عائلة الرئيس الشهيد وتقبّله التعازي جنباً إلى جنب مع الرئيس سعد الحريري، ودوره بالتالي في استمرار هذه الثورة حتى انشقاقه عنها قسراً في آب 2008 وبقائه قلباً وروحاً فيها، وتبرُّئه منها إعلاميّاً وكلاميّاً، من حين الى آخر وفقاً لمقتضيات الظروف السياسية.
ماذا في القراءة السياسية لكلام جنبلاط؟
أوّلاً، كان جنبلاط واضحاً بقوله إنّه أجرى سلسلة اتّصالات عربية ودولية مع واشنطن وبريطانيا والسفيرين السعودي والمصري في لبنان، مفادها أنّ هذه الدول خائفة من الفراغ مع التشديد على ضرورة تأمين التوافق على البديل قبل الاستقالة، ما يعني أنّه حاول حماية موقفه الرافض التغيير الحكومي الآن بمواقف هذه الدول.
ثانياً، إعطاؤه إشارة لقادة قوى "14 آذار" بأنّ الجوّ الدولي تخلّى عن الشعب السوري، وأنّه سيتخلّى عنّا كما قال، ما يعني تحذيره من المضيّ قدُماً في التصعيد السياسي والشعبي في ردّة فعل على اغتيال اللواء الحسن وما تلاها وما سيليها من تحرّكات واعتصامات وتظاهرات دعوا اليها بحجّة خوفهم من الفتنة.
ثالثاً، تذكيره هذه القوى بـ"أنّنا محور صغير" في تركيبة محاور كبيرة، أي إنّه قلق يقرأ المخاطر الآتية، ويقول لـ"14 آذار": "لا تغامروا.. عمِلوا مِتلي هلّق"!
رابعاً، تحذيره القادة اللبنانيّين من ضرورة تجنيب البلاد امتدادات الأزمة السوريّة وتداعياتها على لبنان، مُلمّحاً الى اغتيالات مقبلة في ظلّ استمرار قسم من اللبنانيين في التورّط بهذه الأزمة، وداعياً الى التحمّل والصبر في حال حصول هذه الاغتيالات بمعنى التزام الصمت وضبط ردّات الفعل.
إلى أين تقود مثل هذه الاستنتاجات؟
هي تقود إلى جملة من النقاط:
النقطة الأولى: القول للجميع إنّ الحكومة الحالية مستمرّة، أقلّه في هذه المرحلة، وإنّ مسألة الاتصالات الدولية والعربية التي كشف عنها جنبلاط، وخوفه من الفراغ يندرج في إطار معرفته العميقة أنّ النظام السوري يريد الإبقاء على حكومة الرئيس ميقاتي، وإنّه متمسّك بها في هذه الآونة للتغطية على ما جرى ويجري وسيجري، وبفرض التفاوض عليها في ما بعد مع الغرب عندما يحين وقت المفاوضات الجدّية.
النقطة الثانية: دعوة قوى 14 آذار إلى سياسة الانتظار الدموي وتشييع الشهيد تلوَ الشهيد، والذي لم يعد لا بمقدور هذه القوى ولا بمقدور الشعب اللبناني تحمّله. أي دعوته إيّاهم إلى الانتظار بجانبه على "ضفّة النهر" في انتظار جثّة عدوّه كما عبّر عن ذلك صراحة يوماً.
النقطة الثالثة: إنّ جنبلاط من خلال قراءاته للمخاطر والمستجدّات الآتية على لبنان والمنطقة، بدا وكأنّه يرسو على "محور الأقلّيات" ويناور على المحور الآخر، بمعنى أنّه يحاول حماية زعامة البيت الجنبلاطي التاريخية أوّلاً، وحماية وريث هذه الزعامة المرتقب أي نجله "تيمور" إستطراداً… فهل ينجح!؟