يدور كلام كثير حول "الشرق الأوسط الجديد"، الذي كانت إدارة جورج بوش أول من تحدث عنه في العلن. لكن ما نراه كل يوم، هو العودة الى الشرق الأوسط القديم، عصر التفكك والولايات، الطوائف والمذاهب، الأقليات والحمايات، المياه الدافئة والأرض الحارة، العشائر والقبائل، المدن المقسومة بالحواجز بدل الموصولة بالجسور. باختصار، العدميات.
أين بدأت ظاهرة العدم هذه؟ ربما بدأت هنا، بأدوات غبية من جميع الهويات. ربما استعملت في يوغوسلافيا، عندما حلّ أرعن غرائزي يدعى سلوبودان ميلوسيفيتش محل يوسيب تيتو، حالم الوحدات الأوروبي الوحيد في عالم عدم الانحياز. ربما بدأت فعلاً عندما انهار الاتحاد السوفياتي نفسه، فتوحدت ألمانيا وتفرقت أوروبا الشرقية. أو ربما في العراق، حيث أخذنا نقرأ، للمرة الأولى في الذاكرة، عناوين من نوع "شيعة العراق" أو "سنّة العراق".
توفيت الأسبوع الماضي عفيفة اسكندر، المغنية التي كان يأتي لسماعها نوري السعيد، ولما قصَّبته ثورة 1958، صار يأتي لسماعها عبدالكريم قاسم. وطوال نصف قرن ظلت عفيفة اسكندر "مطربة العراق". يرتاد صالونها كبار السياسيين والأدباء والفنانين، وينزل عند خاطرها جميع أهل الحكم(1). ولم تُعرف مرة بأنها المطربة المسيحية المتزوجة من أرمني.
بدأت عفيفة الغناء في الموصل وهي في الخامسة من العمر. وفي الموصل فُجِّرت الكنائس بالمصلّين قبل عامين. فالشرق الأوسط الجديد لا يطيق حقائق الشرق الأوسط القديم، ومن أجل تغيير التاريخ لا بد من تغيير الجغرافيا. وهذه لا تغيَّر، بل تُقلب، وتُزاح، وتُطهَّر من الأعراق الدخيلة، كما حدث في يوغوسلافيا، أو بالإبادة كما حدث في الشيشان.
سوريا كانت موئلاً تعددياً أكثر من لبنان، نظرا الى سعتها وموقعها. بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، قال نائبه عبد الحليم خدام، مستمهلاً الانفتاح والبيريسترويكا: "لا نريد أن نصبح جزائر أخرى، ولا يوغوسلافيا أخرى". اعتُبر كلامه يومها تملصاً من مواجهة الرغبة العامة والعارمة، في الإصلاح. وربما فعلاً كان التأخير في ذلك هو السبب في بلوغ سوريا مرحلة جزائر التسعينات، والوقوف على شفير حالة يوغوسلافيا.
ليس صحيحاً أن الحرية تفضي الى العنف. الحرية قيادة، مثل أي إدارة أخرى. توحّدت ألمانيا وانفصلت تشيكوسلوفاكيا، من دون شجار في شارع. هذا كان الفارق بين سلوبودان ميلوسيفيتش وهلموت كول أو فاسلاف هافل. القضايا المصيرية الكبرى لا تُترك لتناقضات وتضاربات الناس. يأتي زمن تقف فيه جميع الأمم والبلدان أمام الخيار والتغيير. هكذا وقف ديغول وإديناور عندما تساويا أمام الساعة القدرية: لا الأول منتصر، ولا الثاني مهزوم، بل كلاهما منتصر بإرادة المساواة ووسع الرؤيا. زوال الغطرسة الألمانية هو الذي أنقذ ألمانيا، وهو الذي أعادها أولى دول أوروبا، من دون اكتساحات وزعيق وأناشيد إبادة.
يجب عدم تفريغ المصالحة التي عقدها ديغول وإديناور من معانيها ومداركها وإمكان محاكاتها. فهي التي مهّدت لبناء الوحدة الأوروبية، وقبلها المتحد الأوروبي. وهي التي جعلت ابن الجنرال غورينغ ضيفاً في احتفالات 14 تموز. وبهذا المفهوم صارت اللوكسمبور عضواً كاملاً في الوحدة، موازياً (وإن لم يكن مساوياً) لبريطانيا وفرنسا. هذه مفاهيم الأسرة، التي تجعل النملة الألمانية اليوم تتكفل مصاريف الصرّار اليوناني، والدون جوان الإيطالي.
تصدَّعت سوريا، الدولة التي كان يفترض أن تقوم حولها الوحدة العربية، أو الوحدة السورية، أو وحدة الهلال الخصيب. وانعزلت دمشق الى معاركها اليومية وحال الحصار. المدينة التي تَحلَّق فيها الأكراد والشركس والبشناق والداغستانيون والمسيحيون واليهود وما معهم من طوائف ومذاهب. وتمزقت حلب، مدينة المهاجرين والفازعين وأولى محطات الهاربين نحو الملاذ الآمن في بلاد الشام. ومنذ فترة صارت حمص مدينتين، بعدما كانت مدينة الأسرة السورية الكبرى ومثالها.
كان الشتات العربي فلسطينياً، وها هي أمواج البشر تهرب من العراق الى سوريا، ثم تعود من سوريا الى العراق، فيما يفرّ الباقون الى تركيا والأردن ولبنان وأي مكان آخر. الدولة السورية منقسمة، والمعارضة السورية مجزّأة، والمجتمع السوري الذي كان الأقرب الى النموذج التعددي، يتحول الى نزعات قبلية، تبدو كأنها لم تمر بها القومية العارمة على مرَّ التاريخ.
لكن التاريخ ليس واحداً. ولا هو يكرّر نفسه على نمط واحد. ليس ساعة على الجدار بل نحن ساعات على جداره. وعندما أستعيدُ في هذا الحيِّز أسماء الرجال وسِيَرهم فليس من باب الأمل بل من باب اليأس. والحنين لا يفيد في شيء، سوى أنه يلطّف قسوة الحاضر، بشيء من جماليات ما قد مضى.
هذه دورة الزمان، ولسنا وحدنا في دورانها. أعتقد أن اليونان هي رمز اليباب والخروج من الوجود الكبير الى العدم والفراغ. العالم كله يدرس في كتب القرن السادس قبل الميلاد. بلد واحد أعطى في عصر واحد سقراط وأفلاطون وأرسطو وهوميروس. ثم قرون طويلة بلا فيلسوف أو شاعر أو اسكندر. وروسيا منذ القرن التاسع عشر من دون دوستويفسكي أو تولستوي أو بوشكين. وألمانيا بلا غوته أو بيتهوفن. والقاهرة بلا طه حسين أو العقاد أو أم كلثوم أو سيد درويش.
الحضارات تضيء مثل النجوم ثم تسقط مثل الشُهب. نشأت أفكار الوحدة العربية في سوريا، أو حولها، واليوم تتبعثر فيها أقدم وأهم فسيفساء في الشرق. وفيما تضيق الوحدات الأسرية العربية بنفسها، من مصر الى العراق الى لبنان الى فلسطين، يبعث الرئيس المصري محمد مرسي أول سفرائه الى اسرائيل ومعه رسالة الى "صديقي العظيم" شمعون بيريس.
صار "التطبيع" سهلاً مع إسرائيل ومستحيلا بين العرب. سفير الأردن قدّم أوراق اعتماده في الوقت نفسه. والحدود الدنيا من العلاقات بين العرب غير قائمة. والحقيقة أنه لم تقم علاقة صادقة في ما بينهم إلا في مراحل يتيمة. الباقي أقنعة سوداء وأقنعة بيضاء. حاول أن تقرأ مذكرات الوحدة المصرية – السورية بقلم محمود رياض أو أكرم الحوراني. وحدة متذمرين متربصين وحَذَر. اقرأ ماذا كتب بورقيبة عن الوحدة الخاطفة مع القذافي وكيف كان مرتعداً من الخوف.
هذا في باب الوحدة، أما في باب الحروب فاقرأ ما تشاء. من بغدان الى تطوان، بحسب قصيدة فخري البارودي الشهيرة، والتي توقّف أطفال المدارس عن حفظها منذ زمن، بعدما ظلّ الأطفال يرددون طوال عقود الأمل: بلاد العُربِ أوطاني.
الآن يتحدث وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، عن "حماية الأقليات". عودة الى منتصف القرن التاسع عشر. في السابق حاضر نيكيتا خروشوف في الرؤساء جمال عبدالناصر وأحمد بن بيلا وعبدالسلام عارف(2) عن مساوئ الدين، وفعل ذلك بأسلوبه السيئ مما حمل مترجمه على تغيير التعابير. وأنا أيضاً لا أستطيع نقلها.
ما بين العودة الى زمن الخلافة والى زمن الحمايات، لا يبقى شك في أن هذا هو الشرق القديم، لا جديد فيه سوى تفجّر الغرائز وزوال قوانين التقدم وانعدام مساحات الالتقاء بين مفاصل الأمة.
سوريا ليست لبنان. وليست حتى العراق. ليست فرعاً من فروع الأمة بل جذر أساسي في تاريخها وجغرافيتها وتكوينها. لم يستقبل بلد عربي آخر من الموجات البشرية ما ورد الى سوريا عبر قرون. ولذا يبدو اهتزاز هذه الفسيفساء المتجذرة كارثياً على المنطقة برمتها، خصوصا أنه يبدو بلا قعر أو قرار.
كنت تسافر في المدن العربية فتقرأ "شارع بغداد" و"ملحمة الجزائر" و"بقالة فلسطين" و"خياط الشام" و"مصبغة مصر" و"مخازن بيروت". أحلام صغيرة يحملها أصحابها الى كل مكان ويكتبونها بمهجتهم على أبواب المحال. وذات يوم أفاقت الكويت فوجدت الجيش العراقي في شارع بغداد. ورأينا الجيش السوري يفصل بين المتقاتلين على "طريق الشام"، والبوليساريو يأخذ الصحراء من المغرب، وجنوب السودان ينشقّ عن الشمال وحماس تنفرد بغزة بعيداً من السلطة.
أخفقنا في إقامة دولة الداخل. كل زعيم عربي أراد أن يقيم أولاً دولته في الخارج. عبدالناصر في اليمن وصدام حسين في الخليج وحافظ الأسد في لبنان وفلسطين والقذافي في كل مكان والجزائر في المغرب. سارت القضية الفلسطينية على جميع دروب البلدان العربية وانتهت في أوسلو. سأل الدكتور صلاح سلمان(3) الزعيم الفلسطيني أبو إياد (صلاح خلف) لماذا صرح بأن طريق فلسطين تمر في جونية؟ فأجابه، إن سيدة استشهد ابنها وأراد تخفيف مصابها.
1- "بار السان جورج"، سعيد أبو الريش، دار رياض الريس.
2 – "الملك فيصل شخصيته وعصره"، ألكسي فاسيليف، دار الساقي.
3 – "في حكومة لم تحكم"، الدكتور صلاح سلمان، دار النهار للنشر.