#adsense

تلكؤ العالم عن التدخّل في سوريا خطأ تاريخيّ جسيم

حجم الخط

ليست وظيفة التحليل السياسي أو التعليق السياسي "التنبؤ" بالمستقبل. وكثير مما يكتب في هذا المضمار يفسد في لبنان لأنه يغالي في هذا المسلك، جازماً بما سيحدث وبما لن يحدث.
مع ذلك، لا مهرب لأي تحليل أو تعليق سياسي له صفة التفكير اليومي الحدثي، من الاحتكاك بسؤال المستقبل، ليس فقط من باب عرض الاحتمالات انما ايضا من باب ترجيح احتمال بعينه.
وعندما يصحّ الاحتمال المرجّح أو لا يصحّ ثمة مسؤولية ادبية أمام الكاتب بأن يراجع طريقة اقترابه من الأمور، وربطه للعناصر والأبعاد.

وهكذا، عندما كتبت هنا أفترض منذ بضعة أشهر انّ النظام البعثي في سوريا سيندفع بعد معركة حلب الى استخدام سلاح الجو عن كثب لم اكن مخطئاً، لكن عندما ارفقت ذلك بالتوقع بأن النظام اذ يتجاوز بذلك معادلات فرضت نفسها بنتيجة انتصار الغرب في الحرب الباردة، فان الردّ عليه من طرف المجتمع الدولي سيكون لا مفرّ منه هذه المرة، كنت مخطئاً، ومخطئاً للغاية. أقلّه: حتى اشعار آخر.

لكن هذا الخطأ في التوقّع ليس بتفصيل. أولاً، لانه يظهر بأن الغرب اذ يمتنع عن تدمير سلاح الجو البعثي، وهو ما لا يحتاج لكبير عناء، فانه يكشف عن ابتعادنا عن العالم كما كان في أعقاب الحرب الباردة. يومها، كانت الهيمنة الأميركية على العالم تتعايش مع عشرات الديكتاتوريات في العالم، لكنها كانت تلجم الطغاة الى حد كبير، أو اقله تشعرهم بأن حرب التدخل ضدهم تجنح لأن تكون مؤسسة دولية بحد ذاتها. اما اليوم، فان طاغية صغيراً كبشار الأسد يخبر العالم أجمع بأنه انتزع حقاً ثميناً من براثن الامبريالية: حق الطاغية في قتل شعبه وفي قصفه من الجوّ. بعد ذلك، لن يكترث الطاغية بعزله من المجتمع الدولي، لان مجتمعا دوليا لا قدرة لديه لمعالجة حالة هذا الطاغية، خصوصا بعد قصفه الجوي المكثف لشعبه، انما هو مجتمع دولي لا يبدّل في الأمر كثيراً الانعزال عنه. هذا المجتمع الدولي يخاطر حقيقة بصفته كمجتمع دولي قادر على نبذ النظم السياسية الكارثية. ان عدم التدخّل ضد النظام البعثي هو خطأ دولي شنيع مهما قدّمت له من تبريرات، ومهما قال الثوار في سوريا انهم في غنى عن التدخل. واخطر ما في الأمر ان بشار الأسد ينادي كل طغاة العالم الثالث والعالم السوفياتي السابق الى الصحوة، والتعبير عن السيادة الوطنية الممانعاتية من خلال الجهوزية والاندفاع الى القمع الدموي للشعوب وصولاً الى قصفها المكثف من الجو.

ويضاف الى ذلك بطبيعة الحال ان عالماً "يتسامح" مع اضطهاد نظام فئوي لاكثرية شعبه هذا الشكل الوحشي المتصاعد منذ عام ونصف العام، لن يكون ابداً عالماً قادرا على حماية اي اقلية ايضاً، سواء من اضطهاد اقلية اخرى، أو الاكثرية، أو من التداعيات المباشرة لسقوط نظام دموي محسوب على الاقلية. دق جرس الانذار اكثر من ضروري من هذه الناحية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل