مَنْ خطط لاغتيال الشهيد اللواء وسام الحسن، كان من ضمن حساباته تحقيق هدفين بتفجير واحد، الاول التخلّص من عقل الحسن وقدراته، واغراق شعبة المعلومات في العمى الامني الى فترة من الزمن، والهدف الثاني استثمار اغتيال الحسن وتداعياته، في خلق فتنة مذهبية بين الشيعة والسنّة، يُجّر اليها المسيحيون المنقسمون في تحالفاتهم السياسية بين تيار المستقبل السني، وحزب الله الشيعي بحيث تتحوّل الفتنة المذهبية الى حرب شاملة يدمّر فيها اللبنانيون مجدداً وطنهم على مذبح الصراع الدموي في سوريا من جهة، والمواجهة السياسية النووية القائمة بين ايران والمجتمع الدولي من جهة ثانية، والمرشحة في أي وقت لتتحوّل الى مواجهة عسكرية قد تشمل منطقة الشرق الاوسط بكاملها، واغلب الظن ان مخططي اغتيال الحسن، كانوا يعتمدون على ردّات فعل غاضبة لدى الاصوليين السنّة، يستخدمون فيها السلاح في اعمال ثأرية، على اعتبار ان تيار المستقبل المعتدل طائفياً ومذهبياً والمنفتح وطنياً، لا يمكن أن يلجأ الى اعمال عنف ثأرية، بل يكتفي بالمقاومة السلمية المدنية ديموقراطياً وضمن حدود القانون، وهذا ما حصل فعلاً بعد تشييع جثمان الشهيد وسام الحسن، حيث حصلت اعمال عنف وقطع طرقات واحراق دواليب واشتباكات في مدينة طرابلس، وبعض المناطق الأخرى، ووقوع احتكاكات محدودة مع الجيش، وكان يمكن لفورة العنف هذه ان تقوى وتتسع لو أن جمهور 14 اذار بشقيّه السنّي والمسيحي وقع في الفخ المنصوب للوطن وعمّم العنف على مناطق اوسع، ولم يستمع الى قياداته الواعية المدركة للمؤامرة المجرمة، التي دعته الى الهدوء والتعبير سلمياً عن غضبه ورفضه للقتل المتسلسل لقياداته ولشخصيات 14 آذار وعدم المساهمة في محاولة اقتحام السراي الكبيرة، والاكتفاء بالاعتصام الحضاري السلمي بالقرب من السراي، لمطالبة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالاستقالة من رئاسة الحكومة، وعدم تأمين الغطاء الحكومي لمن يريد شرّاً بلبنان، ويغتال نخبة من قياداته السياسية والامنية، خصوصاً ان ميقاتي اعلن من القصر الجمهوري على اثر اغتيال الحسن، بانه كان عازماً على الاستقالة، لان طائفته تشعر بانها مستهدفة منذ زمن، وكان يفترض بميقاتي الا يكتفي بوضع رجل في الاستقالة واخرى في الحكومة، بقصد تمرير العاصفة، ليتحجج لاحقاً بان اتهامه بمسؤوليته عن اغتيال الحسن، بجعله يتمسك بمنصبه، ولم يعد مهتماً بشعور طائفته انها مستهدفة سياسياً وامنياً، وهو يعرف ان هذا الاستهداف ليس مصدره تيار المستقبل او مسيحيي 14 آذار، بل هم شركاؤه في الحكومة، وحلفاؤه في السياسة.
* * * *
من يتابع في هذه الايام، الضجيج المفتعل في وسائل اعلام 8 آذار، حول «الهجوم» بعصيّ الاعلام واليافطات «لاحتلال» السراي الحكومية من قبل عدد من الشبان الغاضبين، بينهم اصوليّون وسوريون، والتركيز على هذا الحادث «الجلل» الذي لم يستغرق اكثر من نصف ساعة، قبل ان تتدخل قيادات 14 اذار وتدعو الى الابتعاد فوراً عن السراي الحكومية، وعدم الاشتباك مع قوة الحماية، يعرف ويتأكد ان الهدف الاساس من هذا الضجيج الاستغلالي، هو التعتيم على جريمة الاغتيال، واغلاق ملفها اعلامياً، كما اغلق غيرها من قبل، وتوجيه الانظار والذاكرة الى حادث مرفوض ومحدود، لا يقارن بالاحداث الكبيرة التي تشبهه بالشكل وتتجاوزه كثيراً في المضمون، التي قامت بها قوى 8 آذار على مدى سنوات، والتي اوصلت البلاد في نهاية المطاف، الى دولة شبه فاشلة، اقتصادياً واجتماعياً وامنياً وسياسياً، وجميع التوقعات والتحليلات المحلية والخارجية، تشير الى ان لبنان اصبح على قاب قوسين من اعتباره دولة فاشلة، بوجود هذه الحكومة واستمرارها بالقوة، والخوف من شلّ قدرات الدولة، وعدم تمتعها بالشرعية الكاملة التي يقول بها الدستور، وانتشار السلاح غير الشرعي بجميع انواعه، هو حديث يتردد علناً في الكواليس الديبلوماسية والاعلامية، ان في بيروت أو في الدول الغربية والعربية، الى درجة ان احد الديبلوماسيين العرب يخشى ان يكون لبنان قد اقترب من سنوات خطف الاجانب وغير الاجانب، وانهيار سلطة الدولة في شكل دراماتيكي.
دفن الرؤوس في الرمال لعدم رؤية المشاكل الحقيقية التي تعوق قيام الدولة وعودة الامن والاستقرار، والتئام الوحدة الوطنية من جديد، جزء من المؤامرة التي يحوكها بعض الخارج بمشاركة بعض الداخل، ولا حل الا برفع الرؤوس والدلالة بالاصبع على المشاكل التي ستكون سبباً في ضياع لبنان، ان بقيت دملا خبيثاً يأكل عافية الوطن