"إياك من كذب الكذوب وإفكه فلربما مزج اليقين بشكه
ولربما كذب امرؤ بكلامه وبصمته وبكائه وبضحكه"
(أبو العتاهية)
عن "الأوادم" في طرابلس
في سنوات الطفولة، وعندما كنت أبالغ في التعبد أو ممارسة شعائر الإيمان، كانت والدتي تقول لي:" إن كنت تسعى بكل هذا للتكفير عن ذنب ارتكبته، فالأفضل هو ألا ترتكب الذنب أصلاً أو على الأقل أصلح ما خربته!".
مضت سنوات حتى فهمت أنه لا تصح التوبة إلا إذا قام الإنسان بكل ما يمكنه ليردع نفسه عن أذية الناس، ولا تصح توبة بالتأكيد إن "أخذتك العزة بالإثم" فتماديت وكابرت.
مؤسفة إلى حد الأسى تلك الإعلانات التي انتشرت كالطحالب بصور عملاقة للرئيس نجيب ميقاتي لتؤكد له أن "الأوادم معك" وطبعاً لم يوقع أحد تحت هذا الإعلان، إما لأنه يستحي من ذكر اسمه، أو لأنه يعلم أن النفاق سيكون واضحاً عندما يعلم أن أحد المستفيدين من دولته أو موظفاً عنده أو بلطجياً تابعاً له هو وراء هذه الإعلانات! فنحن نعلم أن "الأوادم" لا يمكن أن يهدروا أموالهم لتبييض وجه دولته، بل كانوا سيصرفون هذه الأموال على أبناء طرابلس، فبعضهم ما زال ينتظر أموال هيئة الإغاثة ليعود إلى منزل يأويه.
على كل الأحوال ليس من "آدمي" يمكنه أن ينخدع بأقوال دولته لفترة طويلة من دون أن يكتشف بسرعة حقيقته.
عجيب "الأوادم"
لقد أحسست عندما رأيت هذا الإعلان بأن "أوادم" العجيب موجودون معه في عتمة الصورة، يضعون أيديهم على كتفيه فتصورت أحمدي نجاد وبشار الأسد وحسن نصر الله وخلفهم ميشال سماحة ورستم غزالة وجميل السيد، واحد يحمل قطعاً من سيارات تم تفجيرها والآخر قطعاً من أجساد تقطعت، أو ذكرى من أجساد تبخرت أو جثث تفحمت، وثالث يحضن لعبة محشوة ومنفوخة تشبه ميشال عون مركب فيها شريط تسجيل يكيل الشتائم على "غير الأوادم"!
عجيب الوسطية
ليست الوسطية التي تغنى بها العجيب اختراعاً من قبله، أو من قبل أتباعه الجاهدين إلى اختراع فلسفة لتسويغ ألاعيبه السياسية، بل هي في الأساس نهج سلوكي مبني على الالتزام بالعدل والاعتدال وتوخي الحذر في إطلاق المواقف من دون تحرٍ عميق عن حقائق الأمور. ولكنها بالتأكيد ليست موقفاً محايداً بين العدل والظلم، أو بين النظام والفوضى أو بين القتيل والمقتول، أو المظلوم والظالم. فالعدل والنظام ونصرة أهل القتيل والدفاع عن المظلوم هي الوسطية.
أما ما يعتنقه العجيب فهو التقية الصفوية وقد أطلق عليها اسماً هو "النأي بالنفس!"، أما أنا فقد سميتها "العمالة النائمة".
عميل نائم
فمن قواعد التجسس المتقن زرع عملاء نائمين ليتغلغلوا في عمق الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من دون أن تظهر عليهم أي من أعراض العمالة، إلى أن تأتي اللحظة المناسبة.
ويكفي أن نذكر كيف تمكن الجاسوس إلياهو كوهين من شق طريقه إلى السلطة في سوريا وصار مرشحاً لتولي مناصب وزارية إلى أن اكتشف بالصدفة وأعدم سنة .
لذلك فإن منطق الوسطية عنده أتى للتهرب من الموقف المنطقي بتسمية المجرمين بأسمائهم وتوجيه الأصابع إلى المعتدين على الدولة وعلى النظام بذواتهم. فلسنا في لبنان، على الأقل منذ ثماني سنوات، في خضم تنافس سياسي بين مجموعات تسعى إلى السلطة، وليست القضية في أن العجيب اقتنص فرصته في السلطة ليكون حمامة سلام بين نقيضين كلاهما على باطل. لقد جيء به من قبل معسكر القتلة والمعتدين ليكون غطاءهم على الجريمة المستمرة بحجة الاستقرار. وهي الحجة نفسها التي دفعت قبله الكثيرين إلى تجهيل الفاعل وإخفاء القتلة "حفاظاً على الوحدة الوطنية" و"درءاً للفتنة المذهبية".
ولكن لا الوحدة مصانة، والفتنة قائمة ولا ينقصها إلا إطلاق النفير.
لعبة العجيب
لن نتحدث هنا عن فشل حكومة العجيب في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، فأنا أعتقد وبتجرد، أن أية حكومة أخرى كانت ستنوء تحت عبء الحالة المطلبية في ظل تباطؤ النمو وتفاقم الوضع الإقليمي. ولكن المؤكد أن حكومة تحظى بثقة واسعة قد تكون أكثر قدرة على تصبير الناس وربما إيجاد حلول يتعاون عليها الجميع.
ولا جدوى اليوم من العودة إلى قضية القمصان السود والانقلاب السياسي المبني على التهديد، فبصراحة لم تعد هذه المقولة تجدي وإن كانت صحيحة مئة بالمئة.
ولكن الواقع هو أن العجيب يدير لعبة مزدوجة، خبرتها قيادات الحركة النقابية في الوعود الكاذبة التي وعدوا بها ليتبينوا لاحقاً أنها مجرد خديعة. لكن الأخطر هي اللعبة في الإدارة الديبلوماسية.
لقد تبين ذلك منذ عدة أشهر بعد انفتاح بعض العواصم الغربية على دولته، وظهر ذلك بشكل فاقع بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن، ومطالبة المعارضة بإسقاط الحكومة. لقد تبين حذر الدول الغربية من دعم إسقاط الحكومة خوفاً من الأعظم، والأعظم هنا هو ما جهد العجيب على إقناعهم به منذ بداية هذه الحكومة، هو أن حركاته البهلوانية ما هي إلا وسائل لإلهاء وحش "حزب الله" ومنعه من الانقضاض على الناس.
أما "حزب الله"، العالم مسبقاً، والمتواطئ أصلاً على هذا المسار، يستفيد من عامل الوقت في ظل الوضع القائم في سوريا ويعدّ نفسه للمعارك القادمة في الداخل السوري في مرحلة قريبة.
العجيب هنا يلعب لعبة مزدوجة كتعبير عن وسطيته، ولكنّ قليلين هم من لا يعلمون اليوم إلى أي معسكر ينتمي ومن هم شركاؤه في التجارة وفي أحابيل السياسة.
بالمحصلة لا يوجد أكثر من صانع الأحابيل حاجة إلى الإيحاء بأن الصادقين معه.
ولا أكثر من ناكث العهد حاجة للإيحاء بأن الأوفياء معه.
وما أحوجه أن يقول أن "الأوادم" معه؟