جدل لم يخلو من الحدة… بيان قوى "14 اذار" من بيت الوسط… صفحات الفايسبوك تحوّلت الى منابر حارة محمّلة بالمواقف المتشنجة حيناً، اللامبالية أحياناً، واليائسة في أحيان كثيرة. لم يعجب مضمون البيان الكثر من الرفاق والحلفاء والمناصرين، ومنهم من ذهب بعيدا في اللاعجاب والغضب الى درجة نعيهم لـ "14 آذار" وتحديد أيام تقبّل التعازي!
مضمون البيان الذي يصنّف الاقوى من حيث المواقف والقرارات، لم يقنع كثر، اذ اعتبروا انه مجرّد صف حروف ستبقى أسيرة الورق والمكان، ومن المستحيل تطبيقها خصوصا ان اجتماعات كثيرة سابقة حصلت ولم يحصد ناس "14 اذار" والمستقلون سوى الخيبة على الارض بعد سلسلة التنازلات التي لا تُعد ولا تُحصى والحبل ع الجرّار…
كلام منطقي بالتأكيد وان كان يشوبه بعض المبالغات. كلنا غاضبون. كلنا خائبون خائفون منهكون وأيضا ضائعون ولكن… في لحظة صفاء هادئة، ماذا يمكن لقوى "14 آذار" ان تفعل؟
بالنسبة الي، كمواطنة من ضمن "14 آذار"، وكناشطة في "القوات اللبنانية"، وكمواطنة أشعر اني أصبحت مسحوقة بمنطق الاقوياء بالسلاح والجريمة. وانسجاماً مع ما احب وأشتهي، أريد وأتمنى في سرّي وفي علني أيضا، أن القّن "8 آذار" دروساً قاسية لا تُنتسى، أريد الانتقام لشهدائنا وللبنان. أريد أن انزل الشارع وأحمل السلاح واهاجم المقرّات العامة، وأفجّر كل غضبي، كل غضبي وسخطي على جمهورية ليست بجمهورية امتهنت اذلالنا، ودولة ليست بدولة أدمنت استنحارنا، وحكومة لا تقارب حتى صورة الحكومات المسؤولة اعتنقت أشلاءنا، حكومة ليست الا مجموعة تأتمر بأوامر القتلة وتختارنا الواحد تلو الاخر، لندخل جحر الموت، فإما أن نكون بالنعش أو نمشي وراء نعش. أريد الكثير، أريد اقتحام الضاحية وأخضاعها لحكم القانون، وجرجرة المجرمين الى قوس العدالة، ومحاربة منطق القمصان السود، وطرد أزلام ايران وسوريا وسفير نظام الاسد، وكل ما له صلة بكل ما هو أسود موحش قاتم رابض على قلب لبنان ولكن…ولكن هل نستطيع أن نفعل كل ذلك وكيف؟؟ أبعد من هذا السؤال، كيف يمكن لقوى "14 آذار" مقاومة جحافل السلاح وايران وسوريا وكل مجرمي العصر، الذي تكافلوا وتضامنوا لتدمير لبنان وتغيير سماته الحلوة وجعله بؤرة التخلّف؟
لو حملنا السلاح الا نصبح مثلهم متواطئين على لبنان؟! أسأل والضياع ينهشني، أتكفي مواجهة الاغتيالات بالاعتصامات؟ أتجني الحرية ثمارها عندما نرفع العلم والقلم والالم والصوت بوجه ترسانة الارهاب والرعب؟ أسأل وشعور الوحدة يقتلني، وكأن لبنان، نحن هذه الفئة بالذات، أصبحت مستفردة معزولة محشورة في الزاوية، عين العالم ترانا لكنها لا ترانا، تشيح النظر في غير اتجاه، وكأن لبنان لم تحن ساعة حريته بعد، فهناك مسائل أولى بالاهتمام ولنترك أهل لبنان يتناحرون يتآكلون! ووسط كل هذا الظلام ما العمل؟
قد لا يكون مضمون بيان قوى "14 آذار" أرضى طموحي الشخصي ولا طموحات كثر، ولكنه قد يشكل أيضا بداية جديدة. بداية متأخرة؟ ربما، أو صحّ هي بداية متأخرة ولكنها بداية، طرف خيط لخارطة طريق ما، لتحرّك ما، لصرخة ما. اعتصام ساحة رياض الصلح هو بداية، الخيم المنصوبة في مخيم وسام الحسن في طرابلس الى باب رئيس الحكومة، هي أكثر من بداية، هي حرب سلمية ولكنها حرب معنوية قاسية لميقاتي، حرب في قلب بيته وقد تقلب البيت الطرابلسي على رأسه. التظاهرات، أصوات الشباب أمام السراي الكبير، خيم العناد المنصوبة هناك، غضب الناس، هو أحلى البدايات الممهدة لافضل النهايات لنا وأبشعها لقوى الشر المتحكمة بأعناقنا.
مقاطعة نواب الاكثرية لمجلس النواب، هو الوجه الاخر لعصيان مدني قد يتحوّل تدريجا الى كرة نار متدحرجة. في الـ 2005 مخيم الحرية بدأ بنحو عشر خيم وكبرت الكرة وصارت مئات الخيم وتدحرج الاحتلال، الآن تغيرت الظروف لكن بقيت الحرب واحدة، العدو واحد، المحتل صار اثنين من الخارج والداخل، فهل نصمت؟ هل نطلق النيران؟ هل نقتل؟؟؟
فقط انزلوا الى ساحة رياض الصلح. خيّموا، اعتصموا، صرخوا وشاركوا في كل ما يجري هناك، كونوا انتم القادة والثوار والاحرار، حتى الآن لا نملك غير هذا السلاح، لا نريد سلاحا يقتل الناس بل سلاحاً يدمي القتلة من دون أن تزهق أرواحهم، ولا بدّ لا بدّ أن يصل الصوت الى مكان ما. رغم كل الخيبات والاحباط وانعدام الثقة، أنا اؤمن بقدرتنا على التغيير، فقط آمنوا…
