إنعقد مؤتمر "المرأة في المجتمعات العربيّة" من 23 إلى 26 أكتوبر 2012 في جامعة الروح القدس الكسليك برعاية اللبنانيّة الأولى السيّدة وفاء سليمان وبتنظيم من المركز الأعلى للبحوث بالتعاون مع كلّيّة الفلسفة والعلوم الإنسانيّة وقد خلص المؤتمر إلى التوصيات التالية:
1) منذ انبلاج فجر الحركات التحريريّة في نهايات القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا ورغم التقدّم الذي أحرزته الحركات النسويّة خاصّة والاجتماعيّة عامّة، وإن بنتائج متفاوتة جدًّا، إذا ما نظرنا إليها من حيث البلدان أو من حيث ميادين المعرفة والعمل، لا تزال المنظومة الملخِّصة للمشهد العربي عمومًا في ما يخصّ مسألة المرأة هي الهيمنة الذكوريّة والتبعيّة الأنثويّة. كما ولا تزال المجتمعات العربيّة تعاني من حساسيّة مفرطة تجاه قضيّة المرأة. إنطلاقًا من هذا الواقع وفي ما هو أبعد من الخصوصيّات المحليّة والتلوّنات التي تضفي على كلّ مجتمع عربيّ فرادته الاجتماعيّة والثقافيّة، أجمع المؤتمرون على موقف مبدئيّ يقضي بضرورة الكفّ عن الإمعان في إسكات المرأة التي طالما تكلّم وفكّر وقرّر الرجل مكانها، والعمل الحثيث على تحرير الكلمة لدى المرأة ذاتها وتحرير الفكر وتحرير القرار، بحيث تمسك المرأة نفسها بحقّها الأساسيّ في أن تكون حياتُها خيارًا لا قدرًا.
2) إنطلاقًا ممّا سبق، يوصي المؤتمر بضرورة رسم خطوط أنطروبولوجيا نسويّة عربيّة في هذه اللحظة التاريخيّة بالذات، على أن تبنى هذه الرؤية الأنطروبولوجيّة على مقاربة كيان المرأة وشخصيّتها من حيث هي إنسان وتقوم بالتالي على المساواة الأنطولوجيّة المطلقة.
3) في ما يتعلّق بتمثيل المرأة في الفضاء السياسيّ فإنّه لا يزال يتأرجح بين التغييب والحضور الخجول. المطلوب تكثيف الجهود كي لا يبقى دورُها في هذا المجال ميدانيًّا إنتخابيًّا فقط كما هو في الواقع، بل ليصير فاعلًا في دائرة القرار. فالخطابات التنظيريّة ما عادت تكفي وما عادت تقنع، لأنّها غالبًا ما تشكّل تمويهًا للانفصام القائم من جرّاء التناقضات الفادحة بين الواقع الحقوقيّ والواقع الميدانيّ، مع العلم أنّ الواقع الحقوقيّ لا يزال غير مرضٍ رغم أنّ المسيرة الحقوقيّة على صعوبتها وتعثّرها قد حقّقت تقدّمًا جزئيًّا.
4) لا يجوز تهميش جهود المرأة ولا تقليص دورها في مجال إنتاج المعرفة الدينيّة. إنّ الحملات الضارية التي تُشَنّ على المرأة العالمة تنبع من موروث وتمثّلات مضلّلة واقتناع راسخ بتبعيّتها المعرفيّة لا سيّما من قبل الراديكاليّات الدينيّة على أنواعها التي تحجب إسهامات المرأة في العلوم الدينيّة. ففي فتح المجال أمام قراءة ليبراليّة للنصّ الدّينيّ والتشجيع عليها، مكاسب حضاريّة أكيدة لمجتمعاتنا العربيّة ككلّ، خصوصًا بعد ما ثبت تاريخيًّا أنّ الاجتهادات المجحفة بحقّ المرأة ما هي سوى إضافات طارئة على النصّ الأصلي من قبل قلّة ذكوريّة متسلّطة.
5) من المعلوم أنّ تغيير الذهنيّات تربية. يركّز المؤتمر على إطلاق ديناميّة تربويّة تقود إلى نهوض تربويّ يرسي استراتيجيّات تغيير قائمة على صياغة رؤية جندريّة متوازنة تبدأ بتحصين المدرسة ضدّ التنميط الجنسي على اختلاف مظاهره وتوظّف لهذه الغاية الإعلام والإعلان فتوسّع بذلك دائرة التغيير لتطول البيت والعائلة.
6) لمـّا كانت قدرة المرأة على الانخراط في مشروع جماعي والالتزام به وتوظيف مهاراتها لتحسين أو حتى إنقاذ الوضع الإقتصادي للعائلة قد ثبت، فإنّه من المفيد جدًّا إيجاد شبكات التعاضد وإنمائها، والاندماج في النسيج الاجتماعيّ وتفعيل نشاط المرأة في هذا المجال ضمن ديناميّة مزدوجة تحترم الموروث الثقافيّ وتنفتح على الحداثة في آن. ومن المداخلات التفاتة إلى دراسات ميدانيّة اجتماعيّة تحمل صوت المرأة الشابّة مطلع الألفيّة الثالثة.
7) تسليط الضوء على العنف الظاهريّ أو الخفيّ الذي يمارس ضدّ المرأة وفضحه ومقاومته وزيادة وعي المرأة لذاتها بحيث لا تعود، كما هي الحال أحيانًا، هي أوّل من يتبنّى موقفًا ضدّ ذاتها.
8) في المسرح والسينما والكتابة والفنون والآداب عمومًا، شدّدت المداخلات على دعم حركة فنّيّة نسويّة رؤيويّة مبدعة كما واقترحوا إيلاء الرصيد الثقافيّ النّسويّ اهتمامًا تكون بواكيره في إنجاز أنطولوجيا الكاتبات العربيّات وفي رصد المصطلحات النّسويّة العربيّة وتحديدها. كما واقتُرِح تأليف معجم لأهمّ النساء العربيّات منذ ما قبل الإسلام حتى اليوم. وفي توصية إضافيّة، إشارة إلى إنشاء قاعة في حرم جامعة الروح القدس – الكسليك تؤرّخ لهذا النهار قيمته المعنويّة والثقافيّة وتكون باسم الرائدة الأولى في العالم العربي، مي زيادة.
9) يرتبط إنشاء القاعة بإعلان زمن المصالحة وزمن اللقاء بين الرجل والمرأة لأنّ المؤتمر ليس موقعًا لاستعراض المآسي إنّما هو دعوة لبناء التفاهم بين الرجل والمرأة لأنّهما معًا ضحيّة الموروث الاجتماعي والمقدّس، فبالتفاهم والتعقّل يحملان رسالة الإنسان الجديد.