كتبت صحيفة "السياسة" الكويتية:
عكس البيان الأخير لقوى "14 آذار" خطورة الوضع اللبناني بارتباطه الوثيق والصريح بالنزاع السوري المفتوح، بعد أن نقل المحور الإيراني – السوري معركة إسقاط نظام الأسد إلى الداخل اللبناني.
كما أن البيان جاء ستراتيجياً يواكب مرحلة مفصلية من نزاع بات في مراحله الأخيرة.
ويلخص مصدر قيادي في قوى "14 آذار" لـ"السياسة" المعطيات التي أفضت إلى هذا الموقف على النحو التالي:
أولاً: لم يكن اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن بداية الهجمة السورية – الإيرانية على لبنان، فالاغتيال تم كرد مباشر على كشف مخطط مملوك – سماحة لإشعال الفتنة، والذي سبقته الكثير من الممارسات والاعتداءات بالمفرق لمحاولة إسقاط لبنان، بعد أن تحول من وجهة نظر حكم البعث وحلفائه اللبنانيين، إلى قاعدة خلفية مساندة للثورة السورية، لذا فإن النظام السوري لم يكتف بالموقف السلبي للحكومة اللبنانية بالنأي بالنفس، والتي شكلت دعماً ضمنياً له, وإنما أراد نقل الحريق من أرضه إلى الجوار، غير آبه حتى بالفريق الحاكم وأكثريته الموالية له.
ثانياً: هذا الحريق يريده المحور الإيراني – السوري أوسع وأشمل، فكان إطلاق "حزب الله" طائرة "أيوب" الإيرانية فوق إسرائيل بمثابة دعوة لها إلى الحرب، انطلاقاً من قاعدة أن إسرائيل لن ترضى بتكدس سلاح نوعي بجوارها, وهي التي اعتادت استباق المخاطر من خلال استهداف العدو قبل أن يتمكن من استكمال عناصر قوته.
ثالثاً: هذا التطور يشكل من دون أدنى شك تغييراً في قواعد اللعبة الإقليمية، يضاف إليه إعلان "حزب الله" الصريح عن التورط في القتال داخل سورية، ما يعني تحويل لبنان إلى الشرارة التي ستشعل المنطقة كما وعد بشار الأسد منذ الأسابيع الأولى للثورة السورية.
رابعاً: رغم المواقف الأخيرة المتميزة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، ومحاولات رئيس الحكومة نجيب ميقاتي النأي بنفسه عن مواقف "حزب الله" والنظام السوري، فإن الصورة الإجمالية للوضع اللبناني تشي بأن الحزب يدير دفة الأمور بدقة، ويضبطها تماماً على إيقاع إقليمي، ةولا يستطيع أي طرف لبناني أن يعارضه بالوسائل العادية، أي باستمرار آلية الحكم على ما هي عليه، معطوفة على طاولة حوار هي أشبه بهيئة لشهود الزور على ما يجري.
خامساً: تمادي حكومة "حزب الله" الانقلابية في تغطية جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال، والتي تضع الخصوم المستهدفين أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الموت بصمت، وإما التهويل بالفتنة الشاملة.
وإذا ما استمر الحال هكذا، واختارت قوى "14 آذار" السكوت فستصل إلى الانتخابات النيابية المقبلة وفي رصيدها المزيد من الشهداء، وجمهورها خائف ومرتعب من التعبير عن خياراته. والواقع إن لعبة فريق "8 آذار" مكشوفة في الأشهر الستة المقبلة، فإما ضمان كسب الانتخابات بالترويع وإما افتعال مشكلات تؤجل الاستحقاق الانتخابي المقرر الصيف المقبل, لتبقى المؤسسات على وضعها الراهن.
سادساً: ذهب البعض في قوى "8 آذار" إلى حد تشبيه اغتيال الحسن، بوصفه مظلة أمنية متميزة، باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بوصفه قيادة سياسية رئيسية، واعتبر هذا الفريق أن الخصوم في "14 آذار" لن يستطيعوا في الرد على اغتيال الحسن تكرار "ثورة الأرز" التي تلت اغتيال الحريري، والتي أطاحت حكومة عمر كرامي وأخرجت الجيش السوري من لبنان. وهذا صحيح من ناحية أن ظروف الاغتيالين مختلفة، ولكن ما فاتهم أن قوى "14 آذار" تستطيع التكيف مع هذا التغير في الظروف، وهذا ما فعلته بإعلان مقاطعتها للدولة وبإطلاق تحركاتها السلمية الشاملة، وهذه بمثابة ثورة سياسية جديدة تختلف بالشكل ولكن ليس بالمضمون عن "ثورة الأرز".
سابعاً: تنبهت قوى "14 آذار" مع بعض التأخير إلى أن الإقليم المجاور يشهد تبدلاً ستراتيجياً, ولا يمكن مقاربته بمواقف عادية، فجاء البيان الأخير ليحمل برنامجاً متكاملاً يواكب هذا التبدل بمواقف مفصلية، تتناول بالعمق الموقف من المحور الإيراني – السوري ومن رأس حربته اللبنانية "حزب الله". ويمكن القول من دون مبالغة إن هذا البرنامج يصلح ليكون برنامج حكم قوى "14 آذار" بعد فوزها بالانتخابات النيابية المقبلة.
وختم المصدر القيادي في قوى "14 آذار" بالقول: إن "رهان اللبنانيين على نجاحنا في ترجمة هذا البرنامج وتخليص لبنان من الخطر المحيط به كبير جداً. والأكبر منه هي المخاطرة التي نخوضها كفريق سياسي سيادي في مواجهة أعداء أقوياء في الداخل والخارج. والمطلوب منا أكثر من أي وقت مضى حشد الطاقات واستنهاض الهمم، والالتصاق بالقاعدة الشعبية التي شكلت سلاحنا الوحيد في العام 2005, وستكون رافعتنا الوحيدة في المعركة الراهنة".