هنالك اقبال واسع على الاستشهاد بأرقام وآراء تشير الى صعوبة الوضع الاقتصادي وزيادة الضغوط الانكماشية.
دراسة صادرة عن معهد باسل فليحان للدراسات المالية، وهذا المعهد يقوم بعمل جدي ومفيد منذ سنوات، تشير الى ان 55 في المئة من العائلات اللبنانية تنفق دخلها كاملاً على كفاية حاجاتها دونما مقدرة على الادخار، إن للاستفادة من عائدات الفوائد على الودائع والسندات، أو للاستثمار في مشاريع جديدة الخ.
ومؤسسة التصنيف موديز ترى ان المصارف اللبنانية اصبحت معرضة لمواجهة مصاعب في حال استمرار الاوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في المنطقة على الصورة الحاضرة والتي تعني ان عمل المصارف اللبنانية ومصالحها في سوريا والاردن ومصر تستوجب تنبهاً واحتياطاً.
وصندوق النقد الدولي يرى ان الظروف السياسية المتحكمة بمسيرة الحكم في لبنان تؤخر المسيرة الانمائية، كما حجبت التطورات الاقليمية بعض المنافع من السياحة والتجارة والاندفاع الاستثماري، الأمر الذي يفيد ان النمو في لبنان عام 2012 لن يتجاوز معدل 1 – 1,5 في المئة أي ادنى معدل منذ 2001.
من المؤكد ان ثمة مفاعيل سلبية على الاقتصاد اللبناني للتطورات السياسية والاقتتال في سوريا وصعوبة التصدير وانحسار تدفق السياح، وخصوصاً من البلدان العربية الى لبنان، وتتمثل النتيجة في انحسار فرص العمل والنمو، هذا مع العلم أن هنالك فرصاً تتفتح لتنشيط الاقتصاد اللبناني لتعويض تعثر النشاط الاقتصادي العادي في سوريا جزئياً. فمن المعروف ان التجار السوريين شأن الصناعيين يتمتعون بكفايات وقدرات وموارد ملحوظة وكثيرون منهم باشروا العمل انطلاقاً من لبنان، وسجلوا ابناءهم في المدارس اللبنانية، وتعاقدوا على استئجار الشقق أو شرائها، وساهموا تالياً في الحدّ من سرعة التدهور والتحول من الانكماش السائد الى كساد عواقبه لا يمكن حصرها.
ونعود الى مناقشة استخلاصات الدراسة التي اجريت بمبادرة من معهد باسل فليحان لتفحص مدى وعي اللبنانيين لتوزيع نفقاتهم وقدرتهم على الانفاق.
عجز غالبية اللبنانيين عن تحقيق ادخارات أمر يعوق فرص الاستثمار والنمو، علماً بأن النفقات على الاستهلاك تشكل النسبة الاهم في حسابات الدخل القومي، وقد تبلغ 70 في المئة من عناصر تشكل هذا الدخل.
في رأينا، على الصعيد العملي والواقعي، ان أرقام الدخل القومي غير محتسبة كلياً، فهنالك نشاطات لا يغطيها التسجيل الرسمي، ولا نعني بهذه النشاطات التهريب، بل ثمة نشاطات لا تدخل اهميتها في حسابات الدخل القومي، كعمل ربات المنازل في منازلهن، والمنافع الاقتصادية الناتجة من المدارس والمعاهد المدعومة من هيئات دينية او سياسية، وعمل موظفين في اكثر من وظيفة لا تسجل عائدات الوظائف الإضافية الخ.
وفي تقديرنا ان دراسة معهد باسل فليحان ركزت على نسبة الانفاق الاستهلاكي في مقابل الدخل من الأجور، بيد أن العائلات في لبنان التي تستفيد من تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج لا تقل نسبتها من مجموع العائلات اللبنانية عن 50 في المئة، وأي دراسة لاوضاع المعيشة والانفاق يجب ان تحتسب نتائج هذه التحويلات والاموال على مستويات الانفاق والمعيشة في لبنان.
أما في موضوع تصنيف المصارف وتوقع مؤسسة موديز للتصنيف زيادة مصاعبها، فنكرر ما أكدناه قبل سنوات، من ان مؤسسات التصنيف هي في حاجة الى التصنيف والتقويم. وحين نشبت الازمة المالية العالمية المستمرة منذ صيف 2007 حتى تاريخه – أي طوال خمس سنوات – وجهت انتقادات شديدة الى نسق عمل مؤسسات التصنيف، بل ان الاتحاد الاوروبي طالب بإلغاء دور هذه المؤسسات الذي قد يكون مضراً. وبالفعل، كانت مؤسسة موديز، وكذلك ستاندارد اند بور، تصنف مصرف ليمان براذرز، الاميركي الذي أفلس عن خسارة 650 مليار دولار، بأنه يتمتع بدرجة تصنيف ممتازة. وكان التصنيف الممتاز قد أعطي للمصرف قبل شهر من انهياره، والامثلة كثيرة على اخطاء مؤسسات التصنيف، والخطأ المستمر والذي يترسخ بسبب الممارسات الغربية هو الاعتماد على هذه المؤسسات لتقويم قدرات الدول والمؤسسات على القيام بالتزاماتها.
في مقابل تقديرات موديز الاخيرة عن المصارف اللبنانية، اظهرت دراسة فرنسية عن وضع المصارف اللبنانية ان هذه تحوز ملاءة أكبر بكثير من المصارف الاوروبية، ولا سيما منها المصارف الفرنسية، والايطالية، والسويسرية، وبالطبع اليونانية. ومن المعلوم ان جميع المصارف الاوروبية الملحوظة الحجم والانتشار لن تستطيع التقيد بتوصيات بنك التسويات الدولية في بازل، ذلك ان هذه التوصيات المطلوب التكيف معها حالياً وسنة 2015 تفترض شروطاً مقلقة من حيث رؤوس الاموال والمخاطر لا يمكن أي مصرف اوروبي الاستجابة لها، حتى بعد سنة 2015 لأن المصارف الاوروبية صارت مدينة للمؤسسات المالية والاشرافية الاوروبية بأضعاف أضعاف رؤوس اموالها.
وضع المصارف اللبنانية بالتأكيد أفضل من وضع المصارف الاوروبية وأكثر أماناً. بالتأكيد ارباح المصارف عن اعمال 2012 ستكون اقل منها عن السنوات السابقة، والمصارف اللبنانية تعاني استمرار عجز الدولة عن تمويل حاجاتها، هذا العجز الذي يمكن معالجته بخطوات من النوع الذي ندرج تلخيصه:
– اقدام الدولة على الغاء ما هو غير منتج في ثنايا اداراتها، ومن المؤسسات او الوزارات التي يجب إلغاؤها مع كل اعبائها وزارة الاعلام، مصلحة السكك الحديد، المجلس الوطني للاعلام، المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخ الخ.
– اصدار سندات دين تحول الى أسهم لتمويل توسيع طاقة انتاج الكهرباء، وربط الشمال بالجنوب بخط غاز، واعادة بناء مصاف بطاقة اقتصادية.
– تفعيل مشاريع ترفيع البنية التحتية وخصوصاً في بيروت التي تحوز بلديتها 800 مليون دولار، ولديها مشاريع مفيدة انما تنفيذها معلق على توافق المجلس البلدي المنتخب مع المحافظ بالوكالة، الذي هو محافظ بالأصالة لطرابلس التي تحتاج الى جهوده في المقام الاول. فان حصلت بيروت على محافظ أصيل ينصرف لتقويم المشاريع بحيث يبدأ التنفيذ في وقت قريب، نكون قد اطلقنا عجلة ترفيع البنية التحتية، وبرنامج تأمين الكهرباء بفاعلية وكلفة معقولة، ولا نعود عاجزين عن النمو.