في عز "سكرة" قوى الاكثرية و8 آذار بالموقف الغربي من الخشية من "الفراغ"، وهو مصطلح لا وجود له واقعيا في الدستور، ربما ينبغي تنبيه هذا الفريق الى محاذير خطرة كان هو حتى الامس القريب من اشد الدعاة الى مناهضتها.
نفهم في التقلبات المذهلة للحسابات السياسية وازدواجية المعايير ان يزهو الفريق الاكثري بهدايا يتلقفها من خصومه، وهي قاعدة يتعين الاقرار بها في قوانين الصراعات السياسية. لكن الامر المتصل بالموقف الدولي يتخذ وجهة اخرى.
الموقف الدولي هذا هو نسخة مطابقة عن الالتباس المدمر حيال الازمة السورية التي أضحت الكابوس الحقيقي للبنان، مع فارق لفظي منمق تردده المعزوفة الدولية برتابة غامضة وهي الحفاظ على الاستقرار. في سوريا ايضا، ومنذ اندلاع النار التي تطحنها، صمت آذان السوريين وهم يسمعون منذ آب 2011 معزوفة دولية مماثلة، في حين تدمر سوريا على نار خبث دولي تتقاطع عنده المصالح على تقويضها قبل ان تقوم على انقاضها وركامها ملامح يالطا العصر الجديد.
لبنان بالنسبة الى الدول الآن، عزف ناشز لا مكان له في اولويات احد.
جاءتنا الموفدة الاميركية بكلام هو البلاغة بذاتها في علم "الغموض البناء". وسبقها الى ذلك الفرنسيون والاوروبيون وسيلحقها كثر بعد. ولا حاجة الى التبحر في الكلام الروسي والايراني وسائر المنظومة الاخرى التي على تناقضها مع الغربيين وجدت معهم تقاطعا على التمديد لسلطة 8 آذار والاكثريين الآن على رغم ان كل الدول تدرك معنى عودة الاغتيالات.
ما تسعى اليه هذه الدول يختلف اختلافا جذريا عما يعتمل به لبنان. بالامس، في 19 تشرين الاول 2012، لم يغتل وسام الحسن وحده ولم يسقط مع شهداء الاشرفية الحجاب المانع للاغتيالات وحده. انهار في هذا التاريخ اتفاق الدوحة انهيارا ناجزا تاما لجهة "تفاهم سري" سحري كان اوقف الاغتيالات منذ عام 2008. ولكن "ما هم جونيه من هدير البحر"، في عرف الدول التي لم يعد يهزها صعود معدل القتل في سوريا الى اكثر من 150 يوميا؟ وهل ستقف المياه عمودا اذا سقط في لبنان مزيد من ضحايا الاغتيالات؟
يكاد الموقف الدولي من الازمة اللبنانية الطالعة يشكل النسخة المطابقة لاستهانة فريق لبناني عريض بملف الاغتيالات لا اكثر ولا اقل. ولا ندري كيف للسلطة اللبنانية ان تزهو بشرعيتها الدولية الوليدة ما دامت اكتسبتها على نار اغتيال فيما هي تتهم خصومها بتوظيف دم شهداء؟ فكيف نفسر هذا "الغموض البناء" والتقاطع المذهل؟ وكيف لا نخشى من محاذيرهما متى زالت السكرة غدا؟