سهل في الإجمال تركيب توليفات نظرية تفخّت سياسياً بالأخصام والأعداء. لكن من الصعوبة بمكان مقاربة مسألة النقد الذاتي (الأثيرة عند الماركسيين) بشفافية ليزرية تصل الى الأعماق ولا تكتفي بالظواهر الطافية.
والنقد الذاتي هذا.. فيه شجاعة تماثل شجاعة الذهاب الى تسوية في زمن الحرب والدقّ على الصدور. لكنه يصبح ضرباً من الخبل إذا ما صار جلداً للذات أو طقساً مازوشياً هدفه التلذذ بالألم أكثر من التطهّر من الأخطاء والتحصّن ضد الخطايا.
يمكن لبعض 14 آذار بهذا المعنى، أن يتبرّم، ويبدي ضيق خلقه من ممارسات تنظيمية يراها غير سوية أو غير متناسقة مع التحديات التي تعصف من كل جانب. ويمكن له أن يضع علامة استفهام على بعض الأداء غير الواضح، أو القاصر في عرفه عن إيصال رسالة المواجهة والتصدي ورفض الإذعان، كما يجب.. بل ويمكن للجمهور السيادي والاستقلالي أن يُظهر قلقاً مزدوجاً إزاء المآل العام للوضع من جهة، وإزاء الارتباك الذاتي من جهة ثانية، ويكون محقاً في قلقه. غير أن ذلك في مجمله وحقيقته الأخيرة ليس إلا تعبيراً عن أداء حواري علني ومكشوف. آتٍ من تربية مدنية طبيعية، ترى الدنيا كما هي وتراها الدنيا كما هي. تواكب بتواضع واقع الحال. وتفهم بدقّة وعشوائية في الوقت ذاته "طبيعة" المرحلة، و"ظروفها" الموضوعية! أي يمكن للوجدان العام مثلاً أن يطلق حُكماً في هوية منفّذي جرائم الاغتيال والتفجير، يماثل حكم النخبة المتحرّية والمدقّقة، في تلك الهوية.
ومع ذلك، فإن 14 آذار في مأزق، لكنه ليس مأزقاً ذاتياً بقدر ما هو جزء من المأزق اللبناني بكل أعراضه وقواه. والطرف الذي لا يعترف بأنه مأزوم، يكذب. والفارق بينها وبين غيرها يكمن في أنها تعترف وتقرّ فيما غيرها ينكر ويكابر. وفي أنها لا تزال تفترض العيش في وطن، فيما الآخرون يريدون له أن يصير عصفورية دموية تحت مسمى الممانعة أو المقاومة.. ولا تزال تفترض أنها تعيش في بيئة مدنية، فيما الآخرون يريدون لتلك البيئة أن تصير معسكراً مفتوحاً.. ولا تزال تعيش في مناخ سياسي متعدّد ومتنوع، فيما الآخرون يريدون له أن يصير أحادياً وفئوياً و"صافياً"!.. ولا تزال تعيش على وقع همومها المعيشية البسيطة والمعقّدة، العادية واليومية الى جانب تلك "المصيرية"، فيما الآخرون لا يرون الدار إلاّ دار حرب ونزال وتحشيد ووغى.. وعلى مدار الساعة، وكل ساعة عندهم هي ساعة مصيرية بغض النظر عن "العدو" المقابل.
.. التشخيص العلني والمكشوف للمرض مقدمة لمعالجته. وذلك يدلّ في السياسة، الى أن مرض الارتباك عام وشامل ومشعّ في كل أرجاء الجمهورية. لكن أهل الممانعة كانوا ولا يزالون أهل مكابرة ونكران: يرتعون في مآزق وجودية حقيقية مع حليفهم الدمشقي، ولا يتنازلون لحظة للاعتراف بذلك. لا في تصريح ولا في خطاب ولا في إعلام موجّه ولا في مصيبة سوداء!
بين النقد الذاتي والجلد الذاتي فارق شاسع. و14 آذار لا تزال، رغم كل شيء، في المربع الأدائي الأول.. المهم أن تبقى الصورة الشاملة واضحة من دون رتوش وتزييف، ورغم الدماء والدموع: يكفيها أنها تناضل وتدفع أغلى الأثمان دفاعاً عن وطن الأرز وأهله وحفظاً لمؤسساته وسلمه وكيانه. بينما الممانعة صارت رديفاً لتدمير دول وهتك كيانات وتحطيم مؤسسات والفتك بشعوب عربية وإسلامية… صارت رديفاً لنكبات، تجعلنا نخجل أمامها من تذكّر النكبة الأولى في العام 1948!
14 آذار في مأزق، لكن 8 آذار في أزمة وجودية ومصيرية، في السياسة والأخلاق والتاريخ.. وليس أقل من ذلك.