كأن لبنان عاد إلى حقبة ما بعد تاريخ 1 تشرين الأول 2004 حين حاول السلاح الإرهابي اغتيال النائب مروان حمادة. سياسياً، كان النظام السوري حينها يؤجل حرباً يعلم أنها ستقضي عليه عاجلاً أم آجلاً. الحرب السياسية انطلقت من لبنان حين رفضت قوى 14 آذار الانصياع لأوامر النظام بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتتالت الاغتيالات..
ليس خافياً على أحد أن محاربة الارتباط بالنظام السوري من الداخل اللبناني يقضي على سلاحه في الداخل المتمثل بـ"حزب الله" والأحزاب الموالية له في قوى 8 آذار، ويقطع صلات هذه القوى بـ"ولاية الفقيه". لكنّ النظام ارتاح أمنياً واستخبارياً بعد سيطرة حزب السلاح على الحكومة مستبيحاً بيروت ومقتحماً بسلاحه الداخل اللبناني. السيطرة الأمنية عادت مسلّطة بقوة السلاح على لبنان وأتت ثورة ربيع دمشق من الداخل السوري لتفجّر غضب الشعب السوري.
لكن النظام لم ينسَ أن ساحة لبنان مستباحة بفضل حكومة "كلنا للوطن كلنا للعمل" وعادت محاولات الاغتيال لتستهدف كبار قادة قوى 14 آذار وكان أوّلها في 4 نيسان 2012 عندما صوّب النظام الهدف على رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. إلا أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة من الاغتيالات وهذا ما تخوّفت منه المصادر الأمنية بعد اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن. وفي الوقت الذي ينتقم فيه بشار الأسد من شعبه ويحاول أن "يكتم" على نفس الثورة، يحرّك عملاءه في لبنان لينتقم اغتيالاً مِن كل مَن يعترض على إرادة بشار في ضمّ لبنان الى معسكره الممانع. وفي هذه المرحلة الجديدة، بدا واضحاً تصاعد وتيرة التهديد بالاغتيال السياسي لكل قوى 14 آذار بالتزامن مع تأزّم الأوضاع في سوريا وقرب انتهاء "ولاية" النظام السوري المتخوّف من انتصار ثورة دمشق.
في هذا الإطار، يفرض التحليل المنطقي أن ردود فعل النظام السوري وحلفائه في لبنان وعلى رأسهم رئيس حكومة "حزب الله" نجيب ميقاتي تدلّ على أن هؤلاء دخلوا "الدقّ المحشور" الذي يفجّره الوضع المأزوم للنظام في لبنان وليصيب عصفورين بحجر واحد، حيث إن الاغتيالات في لبنان تزيح الأنظار عن إجرام النظام في سوريا المنقول إلى لبنان ويفتك في الوقت عينه بأبرز قيادات ثورة الأرز.
ممثلو النظام السوري في لبنان يصيبهم ما يصيب النظام والفضل في ذلك الى سياسة "النأي بالنفس" التي ارتضى أن يعتمدها ميقاتي ليكون ضحيّتها مع قرب انتصار الثورة السورية. وهذا ما يزيد من احتمال تفاقم الوضع الأمني في لبنان الذي يهدده النظام السوري وبالتالي سيضعف موقف ميقاتي شيئاً فشيئاً ليذوب مع حكومته وسط دوامة المأزق السوري الذي لا بدّ سينتهي بانتصار الثورة.
بعد أن كان اللبنانيون مشغولين في الأحداث على الساحة السورية، باتوا اليوم يعيشون الخوف الدائم من أن يسرق الإرهاب المسلّح قياداتهم التي تطالب بالحرية والسيادة والاستقلال، كما يلمسون رعباً من التنقل على الطرقات خوفاً من نقمة بشار عليهم. تداعيات الأزمة السورية "ستحرق الأخضر واليابس" في لبنان، هذا ما حذّر منه المبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي قبل اغتيال اللواء الحسن، فهل ترأف الحرية بالأخضر وتنقذه وتترك اليابس ليفرقع في نار اغتيالاته؟
لا يشكّ عضو المكتب السياسي في تيار "المستقبل" مصطفى علوش في أن "الرئيس ميقاتي وحكومته هما نتاج لما يسمى تحالف الممانعة، والنتاج مباشر من خلال علاقة ميقاتي ببشار الأسد التجارية والسياسية"، ويتابع: "عملياً، ومع تضعضع الوضع الذي يعاني منه النظام السوري، من المفترض بالرئيس ميقاتي أن يهرب لأنه لن يتمكن من تحمّل المسؤولية في هذا الموقف الحرج خصوصاً وأن شخصيته تحتاج دائماً إلى الطمأنة والدعم".
الأسد يهرب ليفجّر الوضع في لبنان فإلى أين سيهرب ميقاتي أمام حائط مسدود؟ يجيب علوش: "واضح أن ميقاتي نجح في إقناع الدول الكبرى بشكل رئيسي طيلة الأشهر الماضية أنه يشكل صمام الأمان الوحيد الذي يمنع "حزب الله" من التفلّت في السياسة والأمن وبالاعتداء على اللبنانيين وبالتالي يخفف من احتمال انفجار أزمة كبيرة على المستوى الأمني في لبنان". ويخلص إلى أن "ما يثبّت الرئيس ميقاتي هو عدم رغبة الدول الكبرى في البحث عن حلول للبنان بانتظار التغيير الذي سيحصل عاجلاً أم آجلاًً في سوريا، وستكون نهاية ميقاتي مع هذا التغيير".
بين السياسة والتجارة، هل تكون المتاجرة بدماء اللبنانيين هي الأهم؟ يشرح علوش قائلاً: "عادة ما يكون جزء من تجارة السياسة بيع الدم، لكنني لا أعتقد بأن الرئيس الرئيس ميقاتي مشارك في أي جريمة بشكل مباشر ولكن بالتأكيد هو يساهم بالتغطية على مقترفي الجريمة أولاً لناحية عدم اتّخاذه الإجراءات المناسبة بحقّ النظام السوري حين اكتشفت شبكة سماحة مملوك, وثانياً بمحاولة التمادي بتمييع الجريمة بعد اغتيال اللواء الحسن".
ولكن إلى متى سيتحمّل اللبنانيون وقيادات قوى 14 آذار خطورة تداعيات الأزمة السورية على لبنان؟ يبدي عضو كتلة "الكتائب اللبنانية" النائب إيلي ماروني أسفه "لكل الدماء التي تهدر في سوريا جراء الإجرام الذي يمارسه النظام على شعبه"، ويشرح "يبدو أن المجتمع الدولي غسل يديه من هذه الأزمة وتخلّى عن واجباته الإنسانية. وعلى الرغم من التوقّعات بقرب انتهاء الأزمة، إلا أن المؤشرات اليوم تشير إلى أن بقاء النظام السوري سيطول أكثر من التحليلات".
ويرى ماروني أن "النظام حاول ونجح في نقل الأزمة وحوّلها إلى الداخل اللبناني وفي ممارسة إجرامه وتصفية حساباته مع المعارضين لنظامه في غياب حكومة في لبنان ترعى الأمن وتثبّته وتصون القيادات وتحافظ عليها، هذا هو الأمر المخيف في هذه المرحلة التي لا تنقذها إلا حكومة إنقاذ وطني لتوصلنا إلى الخلاص".
أما عن دور حلفاء النظام في لبنان؟ يقول ماروني: "فرق شاسع بين حكومة تغطي الجريمة وأخرى لا تغطّيها، حيث إن حكومة الإنقاذ الوطني لن تتستّر على المجرمين وعلى الأقل ستحاول اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على حياتنا".