على مدى أسبوعين، لم يهدأ فريق "8 آذار" في رفع رايات النصر فوق دماء شهداء الأشرفيّة، فعاموا عليها بعد مرحلة انقباض وغرق في مأزق النظام السوري.
سياسيّو هذا الفريق، وأمنيّوه، وإعلاميّوه، وطبّاخو تقاريره وتسريباته، سارعوا (إلى) وتسرّعوا (في) قطف ثمار الإغتيال، وشُبّه لهم أنّهم أسقطوا خصمهم بالضربة القاضية:
شتّتوا صفوفه، بعثروا قراره، جرّدوه من العطف الدولي، فرضوا عليه الإقامة الجبريّة أو، على الأقلّ، التدروش تحت جنح الظلام لإصدار بيان – وثيقة.
وذهب بعضهم إلى حدّ التوهّم أنّ العالم أتى صاغراً إليهم، فتباهوا بتأييد غرب "الشيطان الأكبر" لحكومتهم، وبأنّ العالم، غرباً وعرباً، سقط عسكريّاً تحت آلة القتل والإغتيال، من شارع ابراهيم المنذر إلى المنهاتن والشانزيليزيه، مروراً بدمشق وحلب وتركيّا والسعوديّة، وسائر "المستكبرين".
وأخذت شدّةُ الزهو بعضَهم الآخر إلى القول: حكومة ميقاتي باقية إلى ما بعد بعد الإنتخابات! وفي حسابهم أنّهم لن يسمحوا بحصولها، فتبقى الحكومة أمراً واقعاً إلى ما شاء… "الفقيه".
لا نعتقد أنّ هذه الطفرة "الاستكباريّة" قابلة للاستمرار فترةً أطول، وعوارض انتهاء النشوة بدأت:
فلا الغرب والعرب في جَيْب سترة ميقاتي، ولا دماء الشهداء قابلة للسباحة والإستباحة، ولا الرهان على إرعاب "14 آذار" وفرْط عقدها نجح، ولا الاستثمار في خلاف جنبلاط – الحريري اكتمل، ولا التوظيف في نيّات سليمان – الراعي أثمر، ولا الترويج لانتصار الأسد وهزيمة الثورة أثبت صحّته.
لا أحد، بعد الآن، يستطيع القفز فوق وثيقة "14 آذار". هي في الواقع تأسيسيّة بوجهيْها، التوصيفي والعلاجي. وقد باتت ملزِمة لكلّ باحث عن تسوية وحلّ.
فمطلقوها جعلوها خريطة طريقهم، ومتلقّوها محكومون بالتعامل مع مضامينها مهما كابروا، لاسيّما أنّها تكمّل وتترجم "إعلان بعبدا"، وتجعله بياناً للحكومة الانتقاليّة.
لقد دخلنا مرحلة البدائل. الجميع يبحث الآن عن المخارج. وخلافاً لما يقوله ميقاتي عن "إنتاجيّة" حكومته والردّ على الأقوال بـ"الأفعال" وكأنّه الثابت و"المستقرّ" الوحيد، وما يقوله برّي عن "الخير لقدّام" في عمل الحكومة، وما يقوله "حزب الله" عن حكومته "الباقية الباقية…"، فإنّ من يرصد حركة السياسة في الداخل والخارج يدرك أنّ رحلة التبديل بدأت، ولا تهمّ الوسائل في ترتيب المخرج: سواءٌ تحت مسمّى الحوار، أو مسمّى الضغط السلمي في الشارع والمؤسّسات، أو الحرص الدولي على الاستقرار الحقيقي، أو المزيد من تراخي قبضة النظام السوري، أو تحت تكامل الحالات الأربع. النتيجة هي نفسها.
ما بدا مقفلاً خلال الأسبوعيْن الفائتيْن، أصبح مفتوحاً. والفضل الأوّل في ذلك يعود إلى شهادة اللواء وسام الحسن المتفاعلة في غير اتّجاه، ثمّ إلى رباطة جأش "14 آذار" وحسم قرارها في وثيقتها التاريخيّة.
حين عابوا على القوى الاستقلاليّة عفويّتها وردّة فعلها العاطفيّة على الجريمة، اعتقدوا أنّها بلغت زمن شيخوختها المبكرة، فتسرّعوا في نعيها، وتباكوا على "ضعفها"، وغرسوا راية انتصارهم على جماجم شهدائها وأشلائهم، وسَبَحوا في دمائها.
وقد اتّضح من هو الذي يُحكّم نزواته في عقله: "14 آذار" ارتكبت طفرتها العاطفيّة، ثمّ تداركت وتماسكت وفعلت، بينما أسكرت رائحة الدماء "8 آذار"، فاستكبرت وشمتت وانصدمت.
في أمثالنا المأثورة، يضحك جيّداً من يضحك أخيراً. وبيت شعر يقول:
"رُبّ يومٍ بكَيْتُ منه فلمّا، صرتُ في غيره بكّيْتُ عليهِ".
هم يضحكون على ارتباكنا أمام الموت. ونحن نبكي على فلذات الأكباد. ولا نضحك حيث يبكون.
سنضحك فقط ، حين تُزهر دماء شهدائنا سلاماً واستقراراً وحريّة ودولة.
فليرقصوا هم على القبور، وليناموا مع الشيطان.
وليسْكَروا على … زبيبة.