… وأخيراً "انتفضت" 14 آذار على نفسها قبل ان تنتفض على غيرها. وتخلّت عن خطاب "الاعتذار" وسياسة "التنازلات" و"التخوفات" و"الحرص" المفرط إلى خطاب آخر، خطاب النبض، والمعارضة الحية والمواجهة السلمية، والثورة المستعادة بتياراتها المتنوعة، إزاء حركات انقلابية أحادية شمولية دموية مسلحة، تقوم بها 8 آذار بترتيب وتنسيق وتبعية، للوصايتين السورية والإيرانية. انتفضت على نفسها، لتلبي هواجس ناسها واللبنانيين والربيع العربي، هذه الهواجس التي جعلت كثيرين من القواعد الشعبية ينتظرون ما يرتاحون إلى وقوعه، وما يحثهم على مزيد من الصمود، وما يعلي من معنوياتهم، ويشفي انتظاراتهم. وهذا بالذات، ما يجعل "القواعد" التي لا تمر مناسبة من دون ان تُفجع بواحد منها، أو بقتل، أو باغتيال أحد رموزها آخرها اغتيال الشهيد الكبير وسام الحسن بسيارة مفخخة من 70 كيلواً من المتفجرات: واحد تلو الآخر على لائحة القتل. لائحة البرابرة المرتبطة بوصايتين هما النموذج الأمثل للهمجية! نعم! حزمت أمرها هذه المرة، صرخة بنبرة من نَفَذَََََ َصبرُه ما يعانيه الناس، من ظلم ومن خوف، ومن مشاعر تقارب الإحباط… صرخت صرخة المفجوعين بشروطهم الانسانية، صرخت صرخة من باتوا يخشون على ثورة الأرز من الابتلاع، والامتصاص والذين باتوا يخشون أولاً وأخيراً على كيان بلدهم ونظامهم واقتصادهم وحدودهم… وأرواحهم، فانتفاضة 14 آذار أكثر اتساعاً من اسقاط حكومة "البرابرة" ومن ربيب النظام السوري الرئيس المفروض نجيب ميقاتي وأكبر من تواطآت ميشال عون.. وجنون العظمة والانتهازية والتخريب. انتفاضة 14 آذار هذه المرة استعادة لمناخات الثورة الشعبية (لا النخبوية) ولا فقط الحزبية بثوابتها: السيادة، الاستقلال، العدالة، التعددية، حرية التعبير، والحركة والفكر.
وعندما نقول ذلك لا يعني ان 14 آذار قد تخلت عن هذه الثوابت او ركنت ركوناً تاماً إلى زواياها الضيقة، بقدر ما نتكلم عن استعادة النَفَس الأول النَّضِر الينبوعي، المقتحم التي ميز انطلاقاتها الأولى والتي هزمت الوصاية السورية بسلميتها، واجبرتهاعلى سحَب جيوشها من لبنان، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كأنما علينا، بعد كل اغتيال كبير ان "نتململ" ونتألم، ثم نعود إلى ايامنا المألوفة العادية، وكأنما جعل القتلة القتل من مفرداتهم اليومية، ومن ثم مفرداتنا اليومية. ونظن أن ما صدر عن 14 آذار، ابعد من ردة فعل. وأبعد من انفعال وأبعد من دمعة تذرف على الشهداء، انه محصلة الأفكار وعناوين طريق، يجب ان تفتح قنواتها، ازاء ما يهدد لبنان من سطوة سلاح الوصايتين والممارسات المشينة ، الدموية، وازاء ما يهدد الدولة والكيان والتاريخ.. والجغرافيا وازاء ما يُهدد المناطق والجماعات والأفراد، والمصائر. فالوصايتان مرتاحتان عبر وكيلهما الحصري حزب ولاية الفقيه الذي استفحلت اموره واخذ به جنون السلطة، والتفرد والالغاء ودغدغته اكثر فأكثر طموحات أكبر منه وأكبر من أفراده بل وأكبر من اربابه الخوارج، في الامعان في قضم الدولة والمؤسسات والشرعية، واختراق النظم وقرصنة المقدرات وجعل امكنته مأوى للقتلة والمهربين ومصنعي المخدرات وارضاً تزرع فيها الكراهية من كل الأنواع. ان ما اقدمت عليه 14 آذار تحد موصول متراكم، منذ ارتداد حزب الوصايتين على الداخل، واستخدام يافطة "المقاومة" (السابقة) للفوز بالبلاد كلها بناسها وجغرافيتها ومصائرها وقراراتها بحيث همشت اكثرية اللبنانيين والأكثرية البرلمانية، حتى الالغاء، والتهديد بالوجود نفسه، ناهيك عن سياسة التهجير المبرمجة التي تمارس، من خلال عمليات التيئيس المنهجية التي تنتهجها "احزاب 8 آذار" ومن خلال محاولة ضرب كل "عصب" ينتفض او صوت يرفض جنونَ هؤلاء وعمالتهم. فالبلاد حولها الحزب الالهي مجرد "سلعة" تجارية يستغلها في تمويل صندوقه عبر القنوات الخاصة في الموانئ لادخال السلاح والسلع، من دون ضرائب او جمارك. والسماء تحولت بقعة خاصة من بقاع ولاية الفقيه يطلق فيها ما شاء عبر واجهة الحزب الهشة، المحطمة، من طائرات "ورق" بلا طيار، الى طيارين بلا ورق الى مشاركة في قتل الشعب العربي السوري، خدمة لطغاته، وقَتلته، وتحولت الأرض هشيماً بين يدي جماعة الحزب، يشعلها متى يشاء ويحرق المؤسسات من تلفزيونات وجرائد والطرقات… لم يبق شيء في هذا البلد لا يحاول حزب "الجماهيرية العظمى" قرصنته وانتهابَه وابتلاعَه. لا شيء للدولة: كأنما لم يبق شيء عمومي لا للدولة ولا للناس: كل شيء بات "هدفاً" خصوصياً: من الجيش الى مخابراته فإلى الأمن العام، فإلى مطار رفيق الحريري، فإلى المرفأ، فإلى الاتصالات، فإلى الكهرباء وحتى إلى القضاء لم يبق شيء للناس: ارواحهم مهدّدة: حرياتهم مهدرة اقتصادهم مهزوز. حدودهم مستباحة. سرطان ينهش كل ما يطاوله. سرطان معنكب، يفترس كل حياة في متناوله، يتشعب، ويتأصل، بتواطؤ مريب، من بعض العملاء والمرتزقة والكتبة وممروضي السلطة. (فهل جزمت 14 آذار أمورها كاملة؟ هل يمكن اعتبار "الوثيقة" التي اعلنتها أخيراً، صالحة لتشكل معالم طريق، او خرائط خلاص؟ وهل يمكن اعتبار ان المنحى السلمي الواضح قادر على تنفيذ ما اقترحته؟ بل وهل في المقدور مواجهة ايديولوجيا القتل (المُبين) عند الوصايتين وتوابعهما، وكسر اللوائح السودءا التي يخطها النظام السوري (المنهار) اوالنظام الإيراني الذي ينتظره (بعد حين) تجديد انتقاضة شعبه عليه وهل يمكن النظر الى المقاطعة الشاملة للحكومة (السوداء) وآلياتها البرلمانية والسياسية كوسيلة جديدة يجري اختبارها؟ وهل يمكن رؤية ملامح تحركات "شعبية" واسعة (مليونية) عبر اعتصام شباب 14 آذار في ساحات العاصمة وطرابلس؟ لكن السؤال العميم يبقى مطروحاً: هل يصح اليوم ما صحّ في 2005، عندما اثمرت التحركات على تغيير "نظام" الوصايتين" من خلال انسحاب الجيش السوري في لبنان؟ اكثر: في ظل الحرب التي اعلنها النظام البعثي السوري على شعبه، والفظائع التي يرتكبها والخراب الذي يحدثه والضحايا التي يسقطها…. والاعتداءات اليومية على لبنان هل يمكن ان تنجح الحلول السلمية في مواجهة السلاح: السلاح الايراني السوري في لبنان، بأيدي احزاب عميلة لهما، أو بيد حزب الأحزاب حاكم جمهورية الموز في الضواحي؛ وهل يمكن مواجهة القتل و7 أيار وغزوة الجبل واحراق التلفزيونات والصحف والحركات الاستيطانية التي ينتهجها الحزب في "مناطقه" عبر الاستيلاء على عقارات الناس والعباد والمؤسسات والبناء عليها… مساكن الصمود والتصدي! بمعنى آخر: كيف يمكن مقاومة ظاهرة "الاستباحة" الشاملة الاقتصادية والأمنية والسياسية واخيراً الحكومية بسلا ح بلا سلاح؟ وهل يمكن المراهنة على الديموقراطية في مقارعة حزب دكتاتوري شمولي معسكر ومُؤمْن مرتبط عضوياً ومذهبياً ومالياً واستراتيجياً… بنظامين خارجيين؟
هذا السؤال قد يكون في غير محله في ظل الربيع العربي الذي اسقط بن علي ومبارك وعلي صالح بالتحركات الجماهيرية. لكن النظام الليبي خُلع بالقوة بالحرب، بالعنف. العنف مقابل العنف. السلاح مقابل السلاح. وهذا ما يجري اليوم في سوريا، عندما حوَّل النظام المعركة مع شعبه من سلمية الى معسكرة، ومن ديموقراطية الى مذهبية، ومن مواجهة بين الناس وبينه الى ما يسمى "حرباً" اهلية (وهو عبقري في هذا المجال: هذا ما فعله في لبنان وفلسطين والعراق) فبين اختيار السلم في مواجهة الدكتاتوريات واختيار السلاح تبقى الاسئلة معلقة، وهذا بالذات ما يمكن انتظاره: كيف نواجه 14 آذار بالأصوات والاعتصامات والتظاهرات، الحزب الذي لا يجيد سوى لغة الحديد والنار؟ السياسة عنده سلاح. والاقتصاد سلاح. والبرلمان سلاح. والحكومة سلاح. والثقافة سلاح. سلاح الحزب أو حزب السلاح..
والدليل الساطع: ان هذا الحزب نقل البندقية من مقاومة اسرائيل الى مقاومة اللبنانيين والسوريين! والدليل ان هذا الحزب ذا ذهنية القوة والعنف والبطش والدكتاتورية اسقط حكومة الرئيس سعد الحريري بالسلاح، وألّف حكومته برئاسة ميقاتي الشكلية بالسلاح وعطل البرلمان بالسلاح وحاصرحكومة السنيورة بالسلاح. وارتكب 7 أيار بالسلاح.. وها هو يحمي "حكومة الوصايتين" بالسلاح. اكثر: بالسلاح اسقط الاكثرية البرلمانية وتلاعب بارادة الناس، فحوّل الاكثرية اقلية، والأقلية اكثرية! حتى طاولة الحوار باجتماعاتها السابقة، كانت الاسلحة "المخفية" مفروشة فوق الاوراق والأصوات والكلام: 14 آذار تمارس الديموقراطية من أجل "وفاق" او توفيقية و8 آذار بقيادة حزبها (المرتبط بولاية الفقيه) تفكر بالقتل والاغتيالات والعنف. عقليتان متناقضتان كان لا بد ان تجعلا من هذه طاولة الحوار مساحة فارغة، وفرصاً تُنتهَز للانقضاض على مكتسبات ثورة الأرز والدولة.. هذه هي طاولة الحوار. بلا حوار. وبلا طاولة. كأن 8 آذار كانت تجلس على كراس مرفوعة على السلاح وكأنما كانت 14 آذار تنتظر ان ينبت في البندقية ورد أو ياسمين! لأن حزب الله لا يريد حواراً. ولا يريد اتفاقاً. تبحث فيه مسألة هذاالسلاح. لمن؟ ومن يديره؟ ومن يرسله؟ وما دوره؟ وما دور الدولة؟ والجيش والناس . الحزب لا يعترف الا بدوره من خلال ما يزعمه عن وجود "استراتيجية دفاعية". فاستراتيجيته منه وسلاحه تحديداً صار اداة لتغيير الاوراق والنظام.. ولخدمة ايران. يعني ان سلاح الحزب ليس له. بل مستعار "سلاح ايران في لبنان لخدمة ايران سلاح يستطيع ان يصادر لبنان ويسلمه الى ايران. ولأن حزب الله من صناعة ايرانية محضة، فمن الطبيعي ان يكون سلاحه ملك ايران. فسلاحه ليس له لكي يتصرف به ولكي يضعه في خدمة الشرعية اللبنانية والدولة… خصوصاً انه لا يعترف الا بالشرعية الايرانية اولاً والسورية ثانياً على ما يحفظ عنده من صواريخ وطيارات ورق بلا طيار او طيارين بلا ورق ولا طائرات. فكيف يمكن ان ننتظر منه ان يسلم سلاحاً ليس له الى لبنان بل وكيف ننتظر منه ان يتخذ قرارات بهذا الشأن او بغيره وقراراته ليست منه وهل يمكن ان يصدر قرارات ليس من صلاحياته. فما له هو لغيره وما يفكره هو فكر غيره . وما يفعله هو قرار غيره . حزب الله يد! مجرد يد او اداة. فكيف لاداة صُنعت للتنفيذ ان تصبح عقلاً مستقلاً حراً؟ بل وكيف لوجود موجود بغيره ان يؤمن بوجود سيادة او استقلال او جيش! فهو باعتباره وجوداً مجازياًَ مستعاراً، يرى ان كل ما حوله مستعار: الجيش وقوات الأمن والأمن العام والاقتصاد والحدود والبلاد والناس كلها مجرد امانة "مستعارة" ملك من اعارها له اي ايران وسوريا. فالمواجهة اذاّ مع (الحزب) ومع الاصول (الوصايتين) وعلى هذا الاساس تبدو الامور مع 14 آذار مركبة (لا معقدة) ومشتبكة. في ظل ظروف دولية وعربية ملتبسة. فالتحدي كبير اولاً من حيث الطبيعة الراهنة للرؤيا السياسية وهي تبدو في خطوطها وتفاصيلها مصيبة ومقنعة وشافية وناجعة. كأن تقول ان للدولة ان تترجل عن جلجلتها ! نعم! وان لهذا الحزب ان يعرف احجامه الحقيقية وان له ان يسلم سلاحه للدولة. وآن له ان يكف عن قضم النظام و شرشحته. نعم! وهذه الأمور ليست جديدة، ولا اعلانها جديداً. ولا المعاناة والشكاوى جديدة لكنها تتخذ بعداً جديداً في توقيتها : 1) الربيع العربي ، 2) انهيار انظمة طغيانية ، 3) تهاوي النظام السوري وازمات ولاية الفقيه الاقتصادية والسياسية العضوية ومطالبات الناس بمواقف محددة واضحة، لكن بخطة عمل. وبادارة سياسية واعية، ومؤمنة، باهدافها. 4) عودة زمن الاغتياللات وتمادي الحكومة في الارتهان للحزب وللنظام السوري والايراني.. والتغطية على الجرائم وعلى انتهاكات النظام السوري وهنا التحدي الكبير لـ 14 آذار : 1) على مستوى الادارةالسياسية هل تكون محدودة بالنخبوية السياسية فتنتفي عنها صفة ادارة تيار واسع الى ما اكثر تقنيناً، 2) على مستوى خطة العمل الميدانية. اذا كانت القيادة السياسية اختزلت حزبياً فهل تكون خطة العمل الميدانية على صورتها ، 3) اي هل تكون الدعوة الى الاشتراك في التحركات مقننة ايضاً ومضبوطة بالبنى السياسية القائمة فتنتفي عن التحركات الجماعية مواصفات الكتل المتنوعة غير "المنتسبة" رسمياً، اي مختلف التيارات المستقلة التي كونت الاتتفاضات الاولى، من حزبيين ومستقلين وليبراليين ويساريين وعروبيين وناصريين واسلاميين.. ومسيحيين! اترى عندما تحدد الأفكار والآليات والادوات النضالية هل يمكن ان يشكل اقتصارها إذا حدث على نخبويات سائدة الى شيء من المحدودية وماذا سيكون شكل "التحركات المليونية" والشعبية عندها؟ مصطفاة؟ ام حركات شعبية تجمعها مصائرها المهددة ومصالحها المشتركة وسيادتها المهددة وحدودها وارواحها واملاكها وعدالتها السائبة؟ انه تحد كبير امام 14 آذار ان تستعيد نبضَ الانطلاقات الكبرى بتياراتها وتنوعاتها وتعددتاتها اي وهج الاندفاعات الكبرى؟