التشنج السياسي الذي تشهده البلاد لا يزال على غاربه بفعل شدّ الحبال الحاصل بين فريقي 8 و14 آذار على خلفية جريمة اغتيال رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللواء الشهيد وسام الحسن ورفاقه.
فاغتيال الحسن الذي شكل نقطة تحوّل لا يجوز السكوت عنها، حسب تعبير فريق 14 آذار في بيانه الاخير اثر اجتماع "بيت الوسط"، والذي رأى فيه وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو ما يشكّل خللاً في التوازن الامني الاقليمي، استدعى ولا يزال من الفريق نفسه اصراراً على ضرورة تغيير الحكومة والمطالبة بحكومة حيادية جديدة تشكل في نظره مقدمة لوقف الاغتيالات وتشرف في مرحلة لاحقة على الانتخابات النيابية الموعودة.
هل مطلب الحكومة الحياديّة واقعي؟
قد يكون هذا المطلب محقاً، ولكنه لا يبدو واقعياً في ظل الظروف الحالية لأسباب عدة ابرزها:
اولاً، لم تبرز ايّ اشارات حلحلة جدية على صعيد الوضع الحكومي حتى الآن باستثناء الموقف الاخير الذي عبرت عنه نائبة وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى اليزابيت جونز اثر لقاءها المسؤولين اللبنانيين الكبار، والذي أكدت فيه ان اللبنانيين يستحقون حكومة جديدة تلبي طموحاتهم، مكررة بخفر"السلوغان" الاميركي الاخير المتعلق بالتحذير من الفراغ وضرورة استمرار عمل المؤسسات والحفاظ على الاستقرار في البلاد، الأمر الذي يفضي عملياً الى القول إن الادارة الاميركية التي تمثلها جونز، وان بدت غير راغبة في الظاهر على الاقل في ابقاء الحكومة الحالية، فهي لا تزال تعتبرها حاجة لا بدّ منها في الظروف الراهنة التي تمرّ فيها المنطقة ولبنان، اقله ربما في الوقت المستقطع الفاصل عن موعد انتهاء الانتخابات الاميركية.
ثانياً، إن فريق 8 اذار وعلى رأسه "حزب الله" المتحكم بهذه الحكومة والمتمسك ببقائها وبقاء رئيسها، على ما يبدو حتى الآن يرى ان لا مصلحة له برحيلها، وهو على رغم خلافاته المصلحية والآنية مع الرئيس نجيب ميقاتي ما زال يعتبره الانسب له في هذه المرحلة، اضافة الى اعتباره ان الحكومة الحيادية التي يطالب بها فريق 14 آذار لا تعني له شيئا.
ثالثا، إن ميقاتي نفسه عاجزٌ عن الاستقالة حتى لو اراد ذلك الآن، فهو اصبح اسيرَ موقفه الذي اتخذه مذ قرر الانشقاق عن 14 آذار وعن حلفائه الذين اتوا به في طرابلس، وتحديداً تيار "المستقبل" برئاسة الرئيس سعد الحريري، خصوصاً أنه بات يدرك ان الشارع الطرابلسي لا يؤيده بمجمله ولا يؤيد قراراته، ولأنه يعلم ان ايّ استقالة في المرحلة الحالية ستكون تحديداً في وجه حزب الله الحاضن الاساسي لقوى 8 آذار، فيصبح عندها خاسراً على الجهتين، ولذا فإنه لن يستقيل.
رابعا، إن المعادلة الاقليمية والدولية التي جاءت بميقاتي الى رئاسة الحكومة، والتي وافق هو في الاساس على شروطها لا تزال قائمة وسارية المفعول، اقله في هذه الآونة، وهذه المعادلة التي اتت به هي وحدها التي تذهب به وفقاً لظروفها وتوقيتها، لا وفق ظروف اللبنانيين وتوقيتهم او توقيت فريق 14 آذار.
هل يعني هذا الكلام ان الحكومة باقية، وأن آلة القتل المشؤومة ستستمر في الاغتيالات؟
في طبيعة الحال لا، اذ انه وفقاً للمعطيات التي عاشها اللبنانيون على مدى الاعوام السبعة الفائتة، لم يكن هناك رابط عضوي بين الاغتيالات وبين الحكومات، باستثناء ذلك التوافق على حكومة وحدة وطنية ايام توافق الـ "س . س"، اي التوافق السعودي ـ السوري في اعتباره شكّل غطاءً ايضاً لتوافق الـ "أ. أ" الأميركي- الإيراني ما أدّى في حينه الى تحصين الساحة اللبنانية ووقف الاغتيالات، وهذان التوافقان ما عادا متوفرين الآن، ما قد يؤشر عملياً الى استمرار المعادلة غير العادلة القائمة في لبنان، ايْ معادلة "الصراخ مقابل القتل"، ما لم يطرأ اي تطور جديد على الساحتين الاقليمية والدولية يوقفها، وهذا ما لم تعد تتحمله قوى 14 آذار المستهدَفة وحدها في قياداتها، ولا غالبية اللبنانيين.