من محاسن 14 آذار أنّ لديها رجالاً لكلّ المراحل والمعارك. القادة في هذا الفريق متساوون، ولكن لكلّ معركة "رأس حربة"، ورموز من كل التيارات يتقدمُون الصف. من هو "المُتقدّم بين متساوين"، في لحظة السكين على الرقبة؟
في لعبة تكامل الأدوار، دارت الأيام ولا شيء تغيّر في دور هذا الرجل. في الحرب وفي السلم دائماً هو في "بوز المدفع". في اللحظات الصعبة يُدْفَعُ الى الجبهات الأمامية، تارة بهدف التخلّص منه، وطوراً لأنه أقوى مَنْ في الميدان.
وفي الحالين سمير جعجع لا يتردد. فإن دُفِعَ الى معركة خاسرة، وَضع نصب عينيه تخفيف الخسائر، ومُراكَمة رصيده الوطني. وإن اشتدت الأزمة، هَجمَتْ لتعانقه وهجم ليبطحها. في 7 ايار، كان أوّل من نزل الى السراي الحكومي. ويوم اغتيل اللواء وسام الحسن كان أوّل من أطاح الوسطية. لا موت نعساً بعد اليوم.
المشكلة أن ثمة مَن يتثاءب. التثاؤب يأتي بصيَغ أسئلة. ما هي الخطة المرحلية، بنداً بنداً؟ في أشد لحظات العراك مع الدب، ثمّة مَنْ يسأل ماذا سنفعل بجلد الدب؟ ماذا سنفعل بالوحدة الوطنية؟ يبدو أن الوحدة الوطنية تبقى بخير إذا احتكر طرف واحد القرار، وخطف حزب واحد السلطتين التشريعية والتنفيذية. اندلعت الحرب الاهلية في العام 1975 لأنّ ثمّة مَن رفض إنزال الجيش الى الشوارع، خوفاً مِن أن ينقسم.
كانت النتيجة أن انقسم الشعب، وانقسمت الارض، ثم انقسم الجيش. تتبدل الكلمات ولا تتبدل العادات. ألا يشبه جدال اليوم ذلك الجدال الذي دار وراء أسوار القسطنطينية فيما الغزاة يتسلقون الأسوار؟ غداً قد يتقدم الخصم بتسوية ملغومة، فتجحَظ عيون بعض الناعسين.
وإنّ غداً للناعسين قريب. سمير جعجع قرر عدم الالتفات الى الوراء، أو النظر الى ما وراء البحار. فريق 14 آذار يُصطاد في الشوارع والمصاعد وحدائق البيوت، وثمّة مَنْ يعتقد أننا في رحلة صيد. من سوء حظنا أن الخصم اتّبَعَ أسلوب الفوز بالنقاط.
بين نقطة ونقطة، شهيد يسقط، حكومة تسقط، اقتصاد يتساقط. منذ سبع سنوات عجاف والخصم يأخذنا الى ملعبه، والى منطقه. صار مقياس التحرك، عدد المشيّعين في جنازة اللواء وسام الحسن.
شباب اندفعوا ارتجالاً الى مدخل السراي، فتناسى رئيس الحكومة أنّ "طائفتي مستهدفة". وقال لرئيس الجمهورية كلمات هي "أحجيَة العصر"، إذ لا الرئيس ولا الصحافيون ولا الشعب ولا السلك الديبلوماسي فهموا اذا وضع استقالته، او استقال من وضعه الشخصي! يجب إسقاط هذه الحكومة لسبب لا يمتّ بصِلة الى كل الاسباب المُعلنة.
يجب أن تسقط لأنها، وبعظمة لسانها، تقوم بإنجازات متتالية، عجزت عنها حكومات 14 آذار. هنا يكمن خطر هذه الحكومة أكثر من أيّ مَكمن آخر. فـ "حزب الله"، اقتداء بسلوك آل الاسد، أتقن لعبة "السوبر ماركت"، حيث يكدّس البضائع ولا يبيعها إلّا متى أراد، وليس متى رغب المشترون.
منع "حزب الله" حكومات 14 آذار من أي إنجاز، ولم يُفرج عن أية بضاعة حكومية. واليوم لأنه يذوِّب الدولة في مشروعه الكبير، يبيع ميشال عون ونجيب ميقاتي تعيينات لسفارات خارجية، بينما "دولة بيروت" تسقط سياسياً وعسكرياً تحت وطأة السلاح.
خطف "حزب الله" لبنان على متن طائرة ايوب الايرانية، لكنه أعطى ميقاتي وعون خططاً للكهرباء، وإسفلتاً للطرق، وزيادةَ رواتب هي أخت الناقص. "حزب الله" يأخذ من جوهر الوطن، ويُعطي من قشور الدولة. ميقاتي سعيد بهذه اللعبة، وعون يتبجح بلَحسه المبرد.
من السخرية المُرة أنّ ميقاتي دفع قسط لبنان للمحكمة الدولية من صندوق الهيئة العليا للإغاثة. نجح "حزب الله" في تسخيف اغتيال الحريري، فالذي حصل في 14 شباط 2005 كان حادثاً من حوادث الطبيعة قرب "السان جورج"، وجاءت الهيئة العليا للإغاثة لتغيث المتضررين.
في الاشرفية أيضا كاد المُغيثون من مرشّحي الانتخابات يحوّلون الحدث، سقوطاً لأبنية، وتصدّعاً لجدران، واحتراقاً لسيارات، وتحطماً لزجاج. في 8 آذار تكامل أدوار أيضا. حزب يُدير "سوبر ماركت"، ورئيس حكومة تقتصر مهامه على تحريك الهيئة العليا للإغاثة.