كتبت مي عبود ابي عقل في صحيفة "النهار":
عقب اغتيال اللواء وسام الحسن صعدت المعارضة مواقفها، ورفعت السقف الى حدود المقاطعة الكلية للحكومة والبرلمان وحتى طاولة الحوار، حتى اسقاط الحكومة. لكن يبدو ان النتائج العملانية لم تطابق الاهداف المرجوة، داخلياً وخارجياً، مما جعل قوى 14 آذار تنفذ تراجعاً تكتيكياً، برز في بيانها، إذ خفَّت المواقف التصعيدية حيال الدولة، لكنها بقيت عالية ضد "حزب الله". وهنا يبرز الدور الذي يقوم به الرئيس امين الجميل في تخفيف اللهجة الحادة لقوى 14 آذار، وابقاء الباب مفتوحا امام البحث عن حلول تنقذ البلد والاطراف من الوصول الى الحائط المسدود.
في منزله في بكفيا، يتحصن الشيخ امين وعائلته، ويتابع عمله السياسي ونشاطه اليومي، متخذاً ما يمكن من الاحتياطات الامنية، فبعد كل ما تعرضت له عائلة الجميل على مدى السنوات الفائتة، وبعد اغتيال "المسؤول الامني الاكفأ" في البلد، يدرك ان الحامي هو الله وحده.
■ لم يرد في بيان قوى 14 آذار اي اشارة الى "مقاطعة الحوار قبل اسقاط الحكومة" كما كانت تصرح عقب اغتيال اللواء الحسن. هل هذا تراجع عن خطأ ارتكبته ؟
– بالعكس، هذه خطوة إيجابية لإيجاد مخرج سياسي للمأزق الذي بلغته البلاد. وعلى العموم، إن "14 آذار هي حالة حوارية في البلاد، لأن مشروعها الأساسي هو بناء الدولة الجامعة، القوية، الديموقراطية، الحرة، والقادرة على إنتاج حياة ميثاقية جديدة في ضوء العثرات والانجازات. وهذا المشروع لا يتحقق من طرف واحد ولا بقرار من طرف واحد. وإذا كانت قد صدرت تصريحات متفرقة لحظة الفاجعة الكبرى، فإن بيان قوى 14 آذار مجتمعة أتى ليحدد إطار التحرك الحالي والمستقبلي تحت سقف الشرعية والدستور والميثاق. وهذا يشمل بالطبع النظرة إلى مبادرة رئيس الجمهورية التي تتضمن، في ما تتضمنه، الدعوة إلى جلسة حوار استثنائية يجدر بها أن تفضي إلى إطلاق حكومة جديدة.
وفي المناسبة، لا بد من إبقاء خط اتصال بين الأطراف اللبنانيين في منأى عن كل الظروف والصراعات، لأن الأحداث اللبنانية، القديمة والحديثة، أثبتت أن "العودة" إلى لبنان الدولة والتعايش تمر بالحوار لا بالحرب. لكن الحوار الذي نؤمن به في الكتائب هو الحوار الجدي، المسؤول، لا الحوار الذي يهدف إلى الالتفاف على الحلول ليبقى القديم على قدمه. ونحن اليوم نرحب بالحوار المؤدي إلى تغيير الواقع المفروض على لبنان بالترهيب، والانتقال إلى تكوين سلطة جديدة بدءاً بحكومة، ثم بمجلس نيابي منتخب بحرية وعلى أساس قانون جديد.
■ هل هذا يعني ان 14 آذار ستلبي الدعوة الى طاولة الحوار في 29 من الجاري؟
– باستثناء حليفنا حزب "القوات اللبنانية"، حضرت قوى 14 آذار الأخرى، وبخاصة "تيار المستقبل"، كل جلسات الحوار السابقة. وأتمنى أن تتوافر البيئة المشجعة لنحضر نحن مع الآخرين الجلسة المقبلة، ولا سيما أننا ننتظر حكومة تعتمد "إعلان بعبدا"، المنبثق من هيئة الحوار. الحوار جزء لا يتجزأ من تراث حزب الكتائب وسلوكه السياسي. لكن يفترض أن تشارك المكونات الوطنية ذات البعد الميثاقي، كـ"تيار المستقبل"، في هيئة الحوار ليكون مجدياً وشاملاً، وإلاّ لا جدوى من حوار يقتصر على فريق دون الآخر.
إسقاط دستوري
■ كيف ستسقطون الحكومة عملياً، والى اين مدى سيصل تصعيدكم؟
– سقطت الحكومة الحالية وطنياً قبل أن تسقط دستورياً. وتجلى هذا السقوط من خلال ولادتها، وتكوينها وأدائها. إنها حالة أحادية، وبالتالي استفزازية. ومضمون بيان 14 آذار الأخير هو صرخة وطنية تظهر فشل هذه الحكومة، وتعكس ما يشعر به الناس حيال ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، وخصوصاً في ظل هذه الحكومة التي لم تلتزم حتى بيانها الوزاري. كان لا بد لقوى 14 آذار التي اجتمعت في 30 تشرين الأول الماضي، وهي التي تمثل ثورة الأرز، من أن تعبر بصراحة عن هذا الواقع وتطالب بتغييره في أسرع وقت، لا من منطلق الغالب والمغلوب، بل من منطلق الحرص على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله، وعلى استقراره ومصالح كل الفئات اللبنانية. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفلتان الأمني تطول كل اللبنانيين، أكانوا في 8 أم في 14 آذار.
كنا نتمنى إسقاط هذه الحكومة بحجب الثقة عنها في مجلس النواب، لكن هذه الآلية تبدو الآن معقدة، ما دام الحزب التقدمي الاشتراكي لا يزال متضامناً مع 8 آذار. لذا لا بد من اعتماد آلية أخرى هي حجب الثقة الوطنية عن الحكومة من خلال سلسلة تحركات ومبادرات واتصالات ضاغطة من جهة، وملتزمة سقف الدستور والقانون والسلم الاهلي من جهة أخرى. النظام الديموقراطي ليس مؤسسات فحسب، بل شعب. وكلمة الشعب هي الحد الفاصل الذي يُبقي الحكام أو يبدّلهم. إن صوت الشعب هو بأهمية التصويت في مجلس النواب، بل إنه الأصيل. وأعتقد أن من مصلحة الحكومة أن تستمع إلى صوت الشعب لئلا تراه في الشارع، وأن تلبي خط الاعتدال قبل أن تضطر إلى مواجهة خط التطرف الذي لا نريد أن يقوى في لبنان.
وفي هذا الإطار، لا يخوفنا أحد بما يسمى الفراغ، فالفراغ نظرية موجودة في الدول الديكتاتورية، لا في الدول التي تعتمد النظام الديموقراطي حيث لكل حالة آلية. مفهوم تداول السلطة، وهو الأساسي في الديموقراطيات البرلمانية، ينقض نظرية الفراغ التي يخترعها الذين يريدون إحياء هذه الحكومة التي باتت ساقطة في نظر الشعب والمجتمع الدولي. إجراء التغيير الحكومي المنشود هو المدخل لإخراج لبنان من الفراغ الديبلوماسي والأمني والاقتصادي ولمنع انزلاق لبنان نحو أحداث أكبر جراء ما يحصل في سوريا، وجراء الصراع الكبير في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الصغرى.
■ طرحتم حكومة انقاذية، يعني انها ستضم وزراء من مكونات الحكومة الحالية، ماذا ستغير إذاً الحكومة الجديدة؟
– الظروف تغيرت . سابقاً كانت حكومات الوحدة الوطنية تشكل لتمييع القضايا المصيرية من دون مزايدات من هنا أو هناك. اليوم، المعطيات مختلفة وكذلك التحديات. فعندما تُطرح فكرة تأليف حكومة انقاذ فلكي تتصدى للمشكلات، لتتجاهلها أو تميعها. مرت البلاد سابقاً بظروف مماثلة، وتشكلت حكومات انقاذ وطني، حققت انجازات لهذا البلد، وآخرها الحكومة التي تشكلت في عهدي برئاسة المغفور له الشهيد رشيد كرامي، وتمكنت خلال فترة وجيزة من أن تعيد الاستقرار الى البلد، والطمأنينة الى قلوب الناس، والثقة بمستقبل لبنان.
■ هل تقبلون ان تضم حكومة الانقاذ وزراء لـ"حزب الله" الذي تنعته بعض الجهات في 14 آذار بـ"آلة القتل"؟
– لا يمكن ان نختزل نحن كل طوائف البلد. فكل طائفة، وكل فئة، وكل مكون في المجتمع اللبناني، من حقه ان ينتدب من يعتبره يجسّد أهدافه وطموحاته، بصرف النظر عن موقفنا العقائدي والسياسي منه. هذا هو لبنان. المهم أن نشكل حكومة انقاذ توحي الثقة وتنقذ لبنان قبل فوات الآوان. السياسة هي فن التعامل مع الآخر لا فن التعامل مع الذات.
■ طرحتم مقاطعة جلسات مجلس النواب . ماذا تقيد مقاطعة عمل المؤسسات؟ ألا يعدّ هذا اضراراً بمصالح الناس؟
– لسنا على الاطلاق في معرض عصيان دستوري. ولم يذكر البيان مقاطعة مجلس النواب. نحن في وضع معارضة شاملة وفاعلة لهذه الحكومة. ولسنا على الاطلاق مع تعطيل كل مؤسسات الدولة، ولا سيما مجلس النواب، ورئاسة الجمهورية، أو مصالح الناس. التركيز هو على اسقاط هذه الحكومة من أجل الناس، ومن أجل معالجة فعالة وجذرية للوضع الأمني والاجتماعي والاقتصادي والدولي الذي تتخبط فيه هذه الدولة. لا مجال لعرض كل المشاكل التي تعانيها كل القطاعات في البلد، وعلى الصعيد الدولي ايضا توريط لبنان في مغامرات وإستفزازات لا يمكن ان تقدر عواقبها.
■ هل ستشاركون في جلسات اللجان النيابية؟
– سنقاطع كل عمل نيابي يثبت هذه الحكومة، وسنشارك في نشاطات المجلس النيابي المتعلقة بحياة الناس وباللجنة المختصة بتحضير قانون انتخابات جديد. لا يجوز أن نعطي الانطباع أننا ندعم الحكومة في المجلس النيابي ونعارضها خارجه.
البعض يتهمكم بتعطيل اللجان من أجل عدم اقرار قانون جديد للانتخابات؟
التشاور في شأن قانون الانتخابات أمر ضروري . معروف انه موضوع خلافي كبير، ولا يحل في اطار تقليدي. نحن تقدمنا بمشروع، وتجاوب معنا حلفاؤنا في "تيار المستقبل"، وبقي التشاور مع وليد جنبلاط الذي نعتبره شريكنا في صياغة هذا المشروع. ونحن حرصاء على ان يكون هناك تنسيق معه في صياغة القانون الجديد. وسنبذل كل الجهود للوصول بسرعة الى قانون انتخابات عادل.
اميركا والمحاور الاقليمية
■ ماذا سمعتم من نائبة وزيرة الخارجية الاميركية اليزابيث جونز؟ هل من تفهم لموقفكم؟ ام انهم غيروا موقفهم كما يحكى؟
– كيف يتصور أي انسان عاقل انه يمكن أميركا ان تؤيد حكومة ركنها الاساسي "حزب الله"؟ من الاكيد ان اميركا، واصدقاء لبنان، لم يكونوا منذ البداية مرتاحين الى هذه الحكومة، وسمعنا منهم كلاما قاسياً ضدها. في الوقت نفسه خائفون من الفوضى، ويصرون على الحفاظ على الاستقرار ويخافون عليه. فكان شرحنا واضحاً للسيدة جونز ان اي استقالة تفرض تصريف الاعمال. كذلك نطالب، بالتشاور من خلال فخامة رئيس الجمهورية، بتشكيل حكومة انقاذية في اسرع وقت ممكن. وكما لاحظنا، هناك تشجيع في هذا الاتجاه من اطراف عدة، من بينهم وليد جنبلاط الذي اعلن تجاوبه مع طرح حكومة انقاذية جديدة وفاقية، وكذلك الرئيس نبيه بري. كما ان الرئيس ميقاتي نفسه أعلن أنه ليس ضد تشكيل حكومة انقاذية جديدة. وأتمنى أن يعني ما يقول. أما فخامة الرئيس سليمان فيجري مشاورات سياسية في هذا الإطار. حتى ان واشنطن التي صرّحت للوهلة الأولى أنها تدعم الجهود الرئاسية والحكومية، عادت وأوضحت أن من حق اللبنانيين أن ينعموا بحكومة تمثل وحدتهم وطموحاتهم الوطنية. بما معناه، تشجع التغيير الحكومي.
■ هل تقبلون ان يخلف ميقاتي ميقاتي؟
– قضيتنا ليست شخصية. نحن تهمنا المصلحة الوطنية، وأن تتشكل حكومة تستطيع ان تجمع اللبنانيين، وتحقق الاستقرار الحقيقي غير المصطنع، وتحصّن البلاد أمام العواصف والتحديات. هذا هو مطلبنا. وعندما يطرح الموضوع ندرسه بكل ايجابية وموضوعية.
* تطالبون بتحييد لبنان عن المحاور الاقليمية والتزام الحكومة سياسة النأي بالنفس، بينما بعض حلفائكم في 14 آذار يتدخلون سياسياً ولوجيستياً في الشؤون السورية من خلال مواقف معارضة للنظام وداعمة للثوار. هل يجوز ذلك؟
– موقفنا واضح. والموقف الرسمي واضح، يجاهر بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم التورّط في أزمات الآخرين. وحلفاؤنا في هيئة الحوار ايضا اتخذوا موقفا واضحا بتأييد "اعلان بعبدا". اما ان يخرج البعض، من الجهتين، عن هذا التوافق اللبناني، فهذا شأنهم، ونحن بالطبع لا نوافقهم على ذلك. ويقتضي لمصلحتهم والمصلحة الوطنية أن يعودوا الى التزاماتهم والتزامات الدولة الحياد.
■ كيف هي علاقتكم بـ"القوات اللبنانية"؟
– ممتازة. هناك تنافس طبيعي، سيظهر اكثر عندما نقترب من الانتخابات النيابية ومرحلة تشكيل اللوائح. لكن هناك ما يكفي من الحس الوطني والشعور بالمسؤولية لكي نعالج امورنا بالتفاهم للوصول الى نتيجة، لأن الاهم هو ان نربح الانتخابات، ولدى 14 آذار الفرصة الان لتربح الانتخابات، ويجب الا نفوّتها. إن ما يجمعنا هو أهداف وطنية مصيرية تفرض علينا تجاوز الخلافات الحزبية الضيّقة.
■ ومع وليد جنبلاط؟
– علاقة صداقة. والتواصل مستمر رغم الخلاف على بعض الأمور السياسية. حققنا معاً إنجازاً وطنياً في مصالحة الجبل، ونحن الاثنين كنا سباقين في هذه المصالحة. فلا نريد العودة الى الوراء..
* ومع الرئيس سعد الحريري؟
– ممتازة. التواصل دائم معه، اما بواسطة الهاتف وأما عبر موفدين، ونلتقي أحياناً في الخارج. ونقدّر الظروف التي تؤخر عودته الى لبنان.