كثيرة هي الأسئلة التي طرحت، ولما تزل، حول موقف قوى 14 آذار من الحكومة والمطالبة باسقاطها من ناحية ومقاطعة أعمال مجلس النواب وطاولة الحوار من ناحية ثانية، انطلاقا من نقطتين اساسيتين لا يجوز تجاهلهما: أولاهما، تتعلق باستطاعة هذه القوى على تحقيق أهدافها في ظل عدم التوازن السياسي والعسكري القائم على الأرض، وثانيتهما تتعلق بالمسؤولية السياسية والمعنوية التي تتحملها هذه القوى في ما لو عمدت الحكومة، تحت ذريعة هذا الموقف، الى التعطيل الكامل لحياة المواطنين (تجميد سلسلة الرتب والرواتب أو وقف المسكنات لمعضلة الكهرباء، على سبيل المثال) وما يسببه الأمران من أزمات مالية واقتصادية واجتماعية لشرائح واسعة من الناس.
ومع أن الاحتمالين قائمان، وقد تلجأ اليهما الحكومة على طريقة الهروب الى الأمام، فالسؤال المركزي، والأكبر من دون شك في هذه الفترة، يبقى على حاله من دون تغيير: هل يمنع ذلك قوى 14 آذار من أن ترفع صوتها عاليا حول الأخطار الملحة التي تحيق بلبنان، أرضا وشعبا ووطنا ومؤسسات؟، وهل يجب أن يحول ذلك دون المطالبة برحيل الحكومة في ظل التحديات المحلية والاقليمية التي شكلها اغتيال مسؤول الأمن الأول فيه، اللواء الشهيد وسام الحسن، وانكشاف خيوط مؤامرة ميشال سماحة ـ علي المملوك ضد سلمه الأهلي ووحدته الوطنية، واطلاق طائرة ايرانية من دون طيار من مكان ما من أرضه وقول طهران أنها حصلت منها على صور لمواقع عسكرية واستراتيجية اسرائيلية، وأخيرا مشاركة مقاتلين من "حزب الله" في حرب الابادة الشاملة التي يشنها النظام السوري ضد شعبه لمجرد أنه يطالب بالحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة؟.
واقع الحال، أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لم تكن منذ تشكيلها على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها خصوصا لجهة معالجة قضايا الناس وحل مشكلاتهم الحياتية. كما أنها، وان جاءت بالانقلاب المعروف من قبل سوريا وايران و"حزب الله" ولم تفعل الا ما يلبي أوامر ورغبات رعاتها هؤلاء، فانها لم تنكشف بعريها الكامل (عمليا، خطرها الكامل على البلد ومستقبله) سوى في سياق أحداث وتطورات الأسابيع القليلة الماضية.
فلم يجرؤ رئيسها، مثلا، على استدعاء أي من عضوي "حزب الله" في حكومته لسؤاله عن قضية الطائرة من دون طيار، وكيف ومتى ولماذا حدث ذلك، ولا حتى عن "الاتهامات" المتداولة في أجهزة اعلام العالم وصحفه عن مشاركة أفراد من الحزب في القتال الى جانب النظام السوري، بالرغم من تبرع الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله بابلاغ اللبنانيين والعالم كله بالواقعتين.
كذلك، فانه لم يجد داعيا لاستدعاء السفير السوري في لبنان لسؤاله عن قضية ميشال سماحة/علي المملوك وما يملكه التحقيق اللبناني من وثائق وتسجيلات بشأنها، ولا حتى لسؤال نائب ورئيس كتلة نيابية (العماد ميشال عون) وضابطين سابقين (اللواء جميل السيد والعميد مصطفى حمدان) عن التهديدات التي أطلقوها جميعا من على شاشات التلفزة ضد اللواء وسام الحسن بسبب كشفه هذه المؤامرة واعتقال سماحة بالجرم المشهود، وهي التهديدات التي وصلت حد توعده جهارا نهارا بالقتل على خلفية احباطه المؤامرة والحيلولة دون تنفيذها.
بل انه لم يملك شجاعة مواكبة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وهو غير مسؤول دستوريا بعكس رئيس الحكومة، في مواقفه الحازمة من هذه المؤامرة ومن اتهامات مندوب سوريا في الامم المتحدة بشار الجعفري للبنان بايواء معارضين للنظام السوري واحتضان مراكز تدريب وانطلاق لتنظيم "القاعدة"، ومن الاعتداءات المسلحة المتواترة على المناطق اللبنانية، ولا حتى الجرأة لاثارة أي من هذه المسائل في جلسة رسمية لمجلس الوزراء.
ليس هذا فقط، بل ان اطلاق الطائرة من دون طيار كما انكشاف مشاركة "حزب الله" في القتال الى جانب قوات النظام السوري، قد تما بعد "اعلان بعبدا" الذي صدر عن جلسة للحوار الوطني حضرها ممثل عن الحزب ويفترض أنه وافق عليه لأنه صدر بالاجماع كما قيل. و"اعلان بعبدا" هذا، لمن لا يذكر، يتحدث عن امكان استفادة لبنان (لبنان وحده، وليس سوريا أو ايران أو غيرهما) من قدرات المقاومة وسلاحها. لكأن الحزب، في الحكومة كما على طاولة الحوار، يعلن للجميع أنه فوق الحكومة وفوق الحوار وأنه يفعل وسيفعل دائما ما يريد (أو يراد له!) من دون اهتمام بموقف رئيس الحكومة التي يشترك فيها أو بموقف رئيس الجمهورية الذي يرأس طاولة الحوار.
وأكثر من ذلك، فانه بينما كان رئيس الجمهورية يربط صراحة وبجلاء بين اغتيال اللواء الحسن وكشف مؤامرة سماحة/المملوك، ويجاريه رئيس الحكومة فيلمح الى امكان وجود علاقة بينهما، كان "حزب الله" وحلفاؤه الاقليميون والمحليون يحيلون الجريمة كعادتهم على الدوام الى اسرائيل ومؤامراتها الدائمة على لبنان وعلى المقاومة والممانعة.
هذه الحال هي معضلة لبنان الكبرى في هذه الفترة، وهي ما يشكل خطرا داهما على وضعه الراهن وعلى مستقبله، وما ينبغي بالتالي الخلاص منه عبر اقالة الحكومة وتشكيل حكومة أخرى تكون حيادية ليس تجاه قضايا سوريا وايران ونظامي الحكم فيهما فقط، وانما أيضا وقبل ذلك كله تجاه قضايا لبنان وما يعانيه من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية.
لبنان في خطر داهم، أرضا وشعبا ووطنا ومؤسسات على السواء. هذه هي المسألة الآن، وكل كلام آخر حول الاستقرار السياسي والأمني أو الفراغ الحكومي ليس سوى ذر للرماد في العيون.
وكما يقال في مثل هذه الحالات: انه الخطر المحدق بالوطن… يا غبي!