يحفل تاريخ الأزمات الحكومية في لبنان بتجارب غالباً ما أسست لانقسامات وانشقاقات عريضة استدرجت معها التدخلات الخارجية والحروب، ونادراً ما افضت الى تسويات الضرورة تداركاً للانزلاق في متاهة أشد سوءاً من الأزمات نفسها.
واذا كانت الأجيال اللبنانية الشابة والطالعة في هذه الحقبة تعرفت الى اللون "العصري" من هذه الأزمات بعد عام 2005 خصوصاً، فان من سبقها من اجيال لا يزال المذاق المرّ تحت أضراسها لفرط ما اكلت ازمات ما قبل الحرب وما بعدها من اعمارها وجناها وتقدمها وتطورها، ناهيك بتفريغ لبنان من نخبه وابنائه في موجات الهجرة يأساً من قيامة تلك المسماة دولة.
والحال ان الازمات الحكومية، على غرار تلك الحاملة مواصفات قاتلة وطنياً التي كانت تنشب عند مفترقات تحولات خارجية وداخلية عاصفة، سرعان ما كانت تؤدي الى ازمات ميثاقية شديدة الخطورة، لا يعود معها اللاعبون سوى اسرى الانجراف نحو المتاريس السياسية ومن بعدها المتاريس القتالية. وليس المقصود في هذه العجالة طبعاً البكاء على واقع الازمة السياسية الناشئة الآن في لبنان، لانها لا تزال "بعد" ازمة سياسية ولم ترق الى مستوى أزمة حكم او ازمة ميثاقية. لكن ذلك لا يقلل أبداً خطورة ما بدأ يرتسم في أفق هذه الأزمة التي، سواء اعترف بذلك سائر اطرافها ام كابروا في الاعتراف، استدرجت الى لبنان شرر الازمة السورية "ووطنتها" توطيناً قسرياً فوق الطبقات الاولى والاصلية للانقسامات اللبنانية المقيمة.
ولعل أخطر ما تنضح به مطالع الازمة، تلك الاستهانة الغالبة على مواقف لا تقيم اعتباراً لانهيار قدرة اللبنانيين على تحمل مزيد من الازمات التي تنهش البقية الباقية من مقومات الصمود الاجتماعي والاقتصادي لديهم. حتى ان من لا يزال يتمتع بالصبر وطول الاناة في الاستماع الى "بلاغة" بعض العباقرة السياسيين المزهوين بحسابات الاستقواء والغطرسة يأخذه الظن الى ان قدر اللبنانيين هو ان يتكيفوا مع طبيعة سياسية شاذة ناشزة تفرض عليهم الاستعداد كل سنة او سنتين او اكثر للعودة الى عتمة الأزمات، وكأنهم نذروا لهذه اللعنة اللعينة لكي يبقى لبنان مرتعاً مفتوحاً لتآكل الاعمار والأجيال.
هي أزمة في مطالعها بعد، ولكن شيئاً لن يوقف انزلاقها الى الاسوأ السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، ما دامت اعمار الناس وأزماتهم مختزلة في حسابات موازين القوى. اما الانهيار الكبير ومعه الانهاك القسري لكل هذه الغطرسة فلم يعودا سوى مسألة عدّ عكسي متسارع. وبأسرع مما يتوهم سائر المزهوين.