لم يكن اللبنانيون بحاجة لزيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند السريعة لبيروت، ليدركوا خطورة الأوضاع التي يمر بها الوطن الصغير، وما تحتويه من عناصر توتير وتفجير تُهدّد بإطاحة هذا الاستقرار الهش، عند أوّل منعطف أمني.
والترحيب بهذه الزيارة المهمة حظي بشبه إجماع من اللبنانيين، الذين تأكدوا مرّة أخرى، أن بلدهم المتعثر بسبب قياداته السياسية وانقساماته العامودية، ليس متروكاً ليواجه مصيره وحده، بل ثمة اهتمام دولي، وأوروبي بشكل خاص، ولعله فرنسي بوجه أخص، باحتضان الوضع المتأرجح، واستيعاب التناقضات اللبنانية، والعمل على إبعاد عوامل الصراعات الداخلية عن مواقع التفجيرات، حتى لا يغرق بلد الأرز من جديد في دوّامة العنف والفوضى.
ولكن القراءة السريعة للزيارة الرئاسية الفرنسية إلى لبنان، تؤكد بشكل واضح على حرص فرنسي ظاهر على توجيه رسالة دعم قوية ومباشرة للرئيس ميشال سليمان، ودوره التوافقي في معالجة الخلافات بين الموالاة والمعارضة، إلى جانب تعزيز موقعه الدستوري، والسياسي الوسطي، والوقوف على مسافة واحدة بين فريقي 8 و14 آذار.
أراد الرئيس الفرنسي أن تأخذ رسالته إلى نظيره اللبناني البُعد الكامل، فأوعز بأن تقتصر لقاءاته على رئيس الجمهورية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اتفاق الطائف، حيث غاب رئيسا مجلسي النواب والوزراء عن المشاركة في المحادثات الرسمية، فضلاً عن إغفال أي مناسبة أخرى، تتيح لرئيسي السلطتين التشريعية والتنفيذية فرصة اللقاء بسيد الإليزيه!
* * *
وإذا كانت الرغبة الفرنسية تشكّل إخلالاً بالتوازنات التي أرسى قواعدها اتفاق الطائف، ميثاقاً ودستوراً، وقد تثير ردود فعل سياسية في الساحة المحلية، إلا أن مضمون الزيارة الخاطفة ونتائجها لا بدّ أن تنعكسا إيجاباً على الوضع الداخلي اللبناني، خاصة في حال تجاوب الفرقاء السياسيين مع الرغبة الدولية في الحفاظ على الأمن والاستقرار على هشاشتهما، في لبنان، بانتظار جلاء دخان المعارك المتصاعدة في سوريا.
فقد كرّر سيّد الإليزيه موقف بلاده في تأييد ودعم مهمة قوات «اليونيفل» ودورها في تنفيذ القرار الدولي 1701، وفي الحفاظ على أجواء الهدوء التي ينعم بها جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب تموز، قبل ست سنوات ونيّف، وحملت إشارته إلى استمرار القوات الفرنسية في الجنوب اللبناني، أكثر من مغزى، حول استعداد باريس لمواجهة الهجمات الإرهابية التي تعرّضت لها عناصر اليونيفل، بما فيها الدوريات الفرنسية.
أما الكلام الفرنسي عن الحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وإبقاء الوضع اللبناني بعيداً عن تداعيات الأزمة السورية، فيجسّد رغبة أوروبية بصيانة الجسم اللبناني العليل من رياح العاصفة السورية، التي بدأت تخرق الأطراف اللبنانية بقاعاً وشمالاً، وتهدّد الأمن الداخلي بعد كشف مخطط ميشال سماحة ومتفجراته، وما تلاها من اغتيال اللواء وسام الحسن، الذي أشاد الرئيس الفرنسي بمناقبيته ودوره، في شهادة غير مسبوقة من رئيس دولة تجاه ضابط في سلك أمني.
غير أن القطبة المخفية في محادثات هولاند – سليمان بقيت تحيك نسيج الحكومة العتيدة، على قاعدة التوجه إلى صيغة الحكومات الائتلافية التي تضم كل الأطراف الرئيسية على الساحة السياسية، والتي يطيب لبعض اللبنانيين تسميتها بحكومة وحدة وطنية، على اعتبار أن الحكومة تعاني من العجز والشلل وقلة الإنتاجية، فضلاً عن استنزافها في الملفات السياسية والاقتصادية والمعيشية، وكان آخرها تفجير الملف الأمني عبر جريمة اغتيال اللواء الحسن.
وترتدي هذه المسألة أهمية مضاعفة في محادثات الرئيسين اللبناني والفرنسي في بعبدا، نظراً لاستكمال الأخير لهذه المحادثات مع الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي يولي الوضع اللبناني اهتماماً خاصاً، ويحرص دائماً على صون الشقيق الصغير من انعكاسات الخلافات الداخلية المزمنة، فضلاً عن تداعيات الزلزال السوري المدمّر.
ولعلها ليست مجرّد صدفة أن يكون الرئيس سعد الحريري حاضراً في العشاء الملكي على شرف الضيف الفرنسي، وذلك بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
* * *
لا شك أن الزيارة الفرنسية أنعشت مشاعر الغبطة والارتياح عند الرئيس ميشال سليمان، الذي كاد يشعر في الأيام الصعبة الماضية، أنه يقف وحيداً بين طوابير الطرفين المتخاصمين في الموالاة والمعارضة.
وقوف الرئيس الفرنسي إلى جانب نظيره اللبناني في هذه المرحلة الدقيقة بالذات، يعتبر تشجيعاً للثاني بالمضي قدماً في تطويق مواقع التأزم السياسي، والاستمرار في مساعي العودة إلى الحوار وصولاً الى التوافق على حكومة إنقاذية، تكون قادرة على مواجهة العواصف الإقليمية، والتوترات المحلية، فضلاً عن أهمية العمل على تفكيك مسلسل الأزمات الاقتصادية والمعيشية، بدءاً من مأزق سلسلة الرتب والرواتب، وصولاً إلى معالجة التدهور الاقتصادي، وما يتهدد القطاع السياحي من إفلاسات وانهيارات.
ولم يفوّت الرئيس سليمان الفرصة، فأكد من جديد حرصه على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، فضلاً عن احترام بقية الاستحقاقات الدستورية، وقد تكون في مقدمتها انتخابات الرئاسة الأولى، وما يسبقها من انتهاء خدمات عدد من كبار الموظفين في السلكين المدني والعسكري.
* * *
الزيارة الرئاسية الفرنسية في غاية الأهمية: توقيتاً ومضموناً. وكأن الرئيس هولاند أراد أن يقول للرئيس سليمان: أنت لست وحدك.. فامضِ قدماً.
ولكنَّ الموقف الرئاسي الفرنسي لم يأخذ في الاعتبار، وكما يجب، توازنات السلطة الدقيقة في بلد التسويات!