#adsense

مراجعة للاغتيالات في صراعٍ (أصبح) بلا سقف

حجم الخط

 وسام الحسن هو آخر العنقود في فئة من اللبنانيين طالها القتل ويمكن "تشكيلها" على أساس تصنيف أدوارها بأنها أكبر من طاقة الدولة اللبنانية على "الاستيعاب"، ولكنه أول العنقود في مرحلة جديدة من صراع أصبح للمرة الأولى بلا سقف.

القاتل واضح حتى قبل القتل. إذن لا داعي لإضاعة الوقت في تسميته. فبعدما ظهر أن وسام الحسن هو الذي وضع الفخ الذي لم يقع فيه ميشال سماحة وحده بل وقعت فيه مخابرات الدولة السورية نفسها وبعد أن حوّلت 14 آذار بشكل تلقائي هذه الفضيحة إلى حفلة "محاكمة" و شرشحة لأعلى قيادات الدولة السورية، أَسْتغربُ كيف بقي وسام الحسن في بيروت أو عاد إليها لأنه كان من الواضح أن دوره بلغ نقطة خطرة وغير مسبوقة في مرحلة تختلف عن ظروف 2005 من حيث أن الصراع في سوريا اليوم لم يعد له ضوابط وأن النظام السوري وأعداءه يخوضون للمرة الأولى صراعا بلا سقف.

لا أعرف إلى أي حد كان هذا الضابط الناجح والحيوي يريد هذا الدور أو ما آل إليه هذا الدور، وما هي الضمانات الأمنية التي كانت معطاة له من أعلى أجهزة المخابرات السعودية والأميركية والفرنسية والتي كان جهازه قد أصبح يمثّلها مباشرة في حربها مع أجهزة المخابرات السورية والإيرانية والروسية، وخصوصا الروسية بعد اندلاع الثورة السورية.

أصبح هذا الضابط الناجح في هذه الدائرة العليا من الصراع على لبنان وسوريا وليس أقل من ذلك. لكنه كان الحلقة الأضعف فيها لأن الطرف اللبناني هو الحلقة الأصغر في التحالف الذي ينتمي إليه والذي جعل من "فرع المعلومات" جهاز مخابراتٍ رئيسياً في لبنان بل الرئيسي بين الأجهزة اللبنانية، مع أنه أحدثها عمرا، لأنه أصبح يستمد معلوماته من تلك الأجهزة العالمية والإقليمية الهائلة التأثير التي يمثلها في مقابل الأجهزة الهائلة السورية – وهي لبنانية – والإيرانية وأعتقد أنها كلها الآن بعد تطور الصراع الرهيب في سوريا هي تحت القيادة العملية الروسية في كل ما يتصل بهذا الصراع.

وسام الحسن هو مؤقّتاً آخر العنقود في فئة من اللبنانيين يمكن "تشكيلها" على أساس هذا التصنيف: لعِبُ دورٍ أكبر من حجم الشخص والدولة اللبنانية ولبنان. لكنه أضعف فرد في تاريخ هذه السلسلة التي تضم لا موظفين مثله فقط وإنما زعماء محلّيين كباراً:

سلسلة تبدأ بكمال جنبلاط الذي دخل في دور إقليمي كبير عام 1976 بالتحالف مع قوة إقليمية صاعدة وضخمة هي القوة الفلسطينية بقيادة حركة "فتح" وزعيمها ياسر عرفات. وعندما خسر الإثنان المعركة قرر النظام الإقليمي التضحية بكمال جنبلاط وليس بياسر عرفات. التضحية بالأضعف. فغضّ هذا النظام الإقليمي، السعودي المصري، النظر عن قرار حافظ الأسد استبعاد كمال جنبلاط. لا أعني بذلك أن هذين الطرفين كانا شريكين فيه وإنما أعني أنهما قبلاه كأمر واقع في سياق أثمان التحالف مع حافظ الأسد. بينما في عام 2005 رفض الفرنسيون بقيادة جاك شيراك، والغربيون ومعهم مصر والسعودية لاحقا، القبول باستبعاد رفيق الحريري. الدور الشخصي لجاك شيراك في الرد السياسي كان ناتجا ليس فقط عن ضرورات المصلحة العليا للدولة الفرنسية بل عن شعوره أيضا بمسؤوليته الشخصية عن تشجيع رفيق الحريري على الارتداد ضد النظام السوري. فرفيق الحريري هو بهذا المعنى "شهيد" جاك شيراك شخصيا.

المثال المهم الآخر في هذه الفئة هو بشير الجميّل. فقد تبيّن للنظام الدولي الذي دعم وصول بشير الجميّل لرئاسة الجمهورية عام 1982 أن تركيبة البلد رغم ضعفها الشديد لا تحتمل موقع بشير الجميّل وحِدّةَ مشروعه، فكان "الحل" بقبول إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية- اي ما كان يُسمّى يومها رفع التغطية السياسية وبالتالي الأمنية- قرارَ حافظ الأسد باستبعاده والإتيان من داخل الجهاز الكتائبي بشقيقه أمين. بشير كان قد كبر داخليا بما يتجاوز حجمه وحجم الموارنة ولبنان في الصراع لاسيما أنه على الأرجح حاول بعد وصوله رئيساً ان يستحصل من داعميه على قدر من الإستقلالية لكي يمكن له تسويق نفسه عربيا ومع مسلمي لبنان. فإذا به يقع بين استحالتين: حجمه الداخلي وحجم ارتباطاته مع داعميه الإقليميين والدوليين. وهذه هي اللحظة التي اختار فيها الداهية حافظ الأسد استبعاده. وأقترحُ على سبيل الفائدة العودة إلى سجال نشرته الصحف دار بين جوني عبدو مدير المخابرات اللبناني الأهم في مرحلة بشير الجميل وبين جميل السيد المدير المخابراتي اللبناني الأهم في العهد السوري. دار السجال وكان جميل السيد لا يزال في سجن رومية. أهميتُه في كيف يجيب كلٌ منهما على اتهام الآخر له: فحين يقول له جوني عبدو أنتَ كنتَ بالضرورة مطّلعا مسبقا على قرار اغتيال رفيق الحريري يرد جميل السيّد بما معناه: إذن أنتَ بالضرورة كنتَ تعرف مسبقا قرار اغتيال بشير الجميل!
هنا ندخل داخل هذه الفئة إلى وضعية أخرى مختلفة: عماد مغنية.

ينتمي نجاح عماد مغنية الأساسي إلى مرحلة الحرب الباردة أي قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، وهي المرحلة التي كانت فيها الثورة الإيرانية تخوض معركتها ضد الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا المتصدّرتين لسياسة دعم العراق في حربه خلال الثمانينات مع إيران وما تبع ذلك في أوائل التسعينات. هذا الشاب الآتي إلى المخابرات الإيرانية من خلفية ثورية سيتحوّل إلى ظاهرة عندما كانت المخابرات الإيرانية تقوم بعمليات خارجية أشهرها تفجير السفارة الأميركية ومقر المارينز وخطف الرهائن الغربيين في بيروت وعملية الأرجنتين.

من هذه الزاوية ورغم خصوصية دور عماد مغنية في الإستراتيجية الأمنية الإيرانية فإن سقوط الإتحاد السوفياتي وتغيّرَ الأوضاع الدولية بشكل راديكالي سيحوّلانه رغما عنه إلى عضو في "نقابة" الأدوار المنتهية والعائدة الى"سْتوك" الحرب الباردة مع شخصيات أمثال كارلوس وأعضاء الجيش السري الأرمني والجيش الأحمر الياباني والألوية الحمر الإيطالية و"بادر ماينهوف" الألمانية و "ابو نضال " الفلسطيني. كل هذه المنظمات والرموز راحت تختفي تباعا في التسعينات أو جرى الإيقاع بها بأشكالٍ مختلفة قتلا أو اعتقالا. صمد عماد مغنية أكثر من هؤلاء جميعا وكان هو آخر العنقود الذي "سيتأخر" سقوطه حتى شباط 2008 ربما لأن تطورات الوضع اللبناني ومعها تعديلات السياسة الإيرانية ستعطي دورا ما لعماد مغنية في أوضاع جديدة كان التحالف السوري الإيراني ينتقل فيها إلى التركيز على المقاومة في جنوب لبنان التي ستشهد في ظل حافظ الأسد وعلي خامنئي ولادة دور نوعي لجيل جديد صار عنوانه حسن نصرالله.

عندما استُبعد عماد مغنية على يد المخابرات الإسرائيلية وفي قلب العاصمة السورية كان الكثير من الدلائل يوحي أن دوره قد استنفذ حتى لو كان يظنّ هو العكس. وربما كان هذا مصدر "التراخي" الأمني الإيراني في حمايته وفي وقت كانت المخابرات الأميركية تعتبره صيدا معنويا ذا تأثير إعلامي بمعزل عن حدود دوره يومها وفي أي نطاق. لقد كنتُ في الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من وزارة الخارجية مع وفد صحافي من بلدان أخرى لمراقبة حملة الانتخابات الرئاسية التمهيدية وشاهدتُ في بوسطن بأي اهتمام فائق تلقّى موظّفو وزارة الخارجية كما الإعلام الأميركي خبر اغتياله.

كان من المفترض أن يكون استبعاد زعيم حزب العمال الكردي عبدالله أوجلان عبر سجنه في تركيا عام 1998 هو حلقة في هذه السلسلة من "نقابة الأدوار المنتهية" لأن منظمته وُلدت خلال الحرب الباردة إلا أن تطورات القضية الكردية داخل تركيا وفي العراق و مجددا في سوريا أبقته على قيد الحياة السياسية (وتقوم المخابرات التركية بالتفاوض معه من وقت إلى آخر داخل السجن).

المخابرات السعودية بالذات لا يبدو أبدا أنها قبلت استبعاد وسام الحسن الذي كان الأقرب لها بين سلّة مخابرات التحالف الغربي التي تدعم "فرع المعلومات". وهذا ما يفسّر – جزئيا على الأقل- "انفراد" القيادة السعودية في التمسك بل في تصعيد سياسة إسقاط حكومة نجيب ميقاتي رغم أنه – أي ميقاتي- سعى لطمأنة السعوديين إلى سياسته عندما زار المملكة خلال القمة الأخيرة للمؤتمر الإسلامي بل تقول المعلومات أنه اجتمع مطوّلا يومها بالأمير بندر بن سلطان الوجه القوي للمخابرات السعودية في المنطقة.
البلد صغير والتكليفات – وهي غير الكِلف- كبيرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل